المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاطع الحجارة



خولة ابراهيم
07-30-2006, 12:21 AM
قاطع الحجارة
يحكى أنه في قديم الزمان كان أحد العمال الفقراء يشتغل بمهنة قطع الحجارة من الجبل، ثم يقوم بتشجذيبها وصقلها وبيعها
لأغراض البناء، وكان عمله شاقاً مرهقا مما كان له أثر على صحته فتقوس ظهره وتغضن وجهه وبدا أكبر بكثير من عمره.
وفي ذات يوم وبينما هو جالس في السوق منتظرا بيع حجارته، تقدم منه رجل غني عليه ثياب فخمة ويحيط به أصدقاء وحرس، وطلب منه أن يرافقه إلى قصره من أجل الاستفسار منه عن كمية من الحجارة يريد شرائها. ولما ذهب العامل الفقير إلى القصر شاهد فيه من الأثاث الفاخر والتحف والأدوات والأواني الثمينة ما لم يشاهد مثله في حياته أبداً. فتعجب من ذلك ودبت في نفسه أحاسيس الغبطة والسرور، وأخذ يتمنى من الله أن يصبح غنياً وأن يمتلك قصراً مماثلاً لذلك القصر في جماله وروعة محتوياته.
حمل العامل الفقير عدته وأدواته وعاد إلى كوخه منهكا ومهموماً. ولدى اقترابه من كوخه المتواضع البسيط وإذا بالدهشة تعقد لسانه بسبب المفاجأة التي حصلت أمامه، أذ أن الله قد حقق امنياته وآماله وتحول كوخه الصغير إلى قصر رحب عظيم مفروش بأفخر أنواع الأثاث وتزينه أروع التحف والأدوات. فطار قلبه من الفرح وغمرته السعادة فشكر الله تعالى ونام في تلك الليلة متعباً هاديء البال. ولما أشرقت شمس الصباح بنورها الساطع في اليوم التالي وشاهد ما حوله من مظاهر البذخ والثروة والغنى، آثر أن يخلد إلى عيشة الهدوء والراحة وعقد العزم على أن ينقطع عن العمل، وأن لا يعود إلى مهنته الشاقة في قطع الحجارة ابداً.
مضت على العامل عدة ايام وهو في فرح وسرور وابتهاج، وعتاد أن يجلس إلى نافذة كبيرة في القصر مطلة على الطريق العام مراقباً المارة. وذات يوم شاهد عربة فخمة تجرها الجياد المطهمة وكان يجري أمام العربة وخلفها عدد من الخدم بملابسهم المزركشة، وجلس في العربة شخص يبدو كالأمراء وقد نشر فوق رأسه مظلة ذهبية لوقايته من أشعة الشمس الحارقة، وفي الحال أخذ قاطع الحجارة يشعر بنقص في مستوى معيشته في ذلك القصر الجميل ولم يعد يشعر بالارتياح ودبت في نفسه احاسيس الغيرة وأخذ يتمنى من الله أن يكون لديه عربة مماثلة تظلها مظلة ذهبية. وسرعان ما حقق الله آماله وعندما دار بوجهه ملتفتا إلى ساحة القصر، واذا به يجد العربة والمظلة والخدم والجياد جاهزين بانتظاره.
وخرج ذات يوم متجولا في العربة وهويتيه بخيالاته، فلاحظ بأن أشعة الشمس القوية قد تسببت في تجفيف الأعشاب والنباتات من حوله، فلم يرضى بهذا الحال وتيقن بأن الشمس أقوى منه وظهر طمعه وتمنى أن يتحول إلى شمس، فأجاب الله سؤاله وحقق له رغبته وتحول قاطع الحجارة إلى شمس قوية ساطعة في كبد السماء فشعر بالفخر والعظمة.
ولكن ذات يوم ظهر سحاب كثيف غطى وجه الشمس ومنع أشعتها من الوصول إلى الأرض فلم يرضى قاطع الحجارة بهذه المذلة واعتقد بأن السحاب لا بد أن يكون أقوى من الشمس، فتمنى أن يتحول إلى سحاب فحقق الله له رغبته فصار سحاباً وأخذ يحجب الشمس والقمر كيفما شاء وينزل الأمطار كما يريد ويشتهي، إلا انه لم يقتنع بذلك فأخذ ينزل المطر مدراراً ليلاً ونهاراً حتى اتلف المزروعات بأكملها، وتهدمت البيوت والأكواخ وفاضت الأنهار والمياه في كل مكان وتشرد الناس وقد فعل كل ذلك لاظهار قوته وجبروته على الجميع دون استثناء، ولكنه عندما نظر إلى الأسفل وجد بأن شيئا واحدا لم يتأثر من شدة الأمطار وبقي شامخ الرأس مرفوع الهامة ولم يبال بقوة السحاب وجبروته وذلك هو الجبل الأشم.
وعند ذلك عاد اليه طمعه وغيرته، واعتقد بأن الجبل يمتلك قوة أكبر من قوة السحاب، فأخذ يتمنى بأن يتحول إلى جبل شاهق الارتفاع وحقق الله له رغبته في الحال فتحول إلى جبل عظيم أصم. وبينما كان يدور في بصره يمينا ويسارا تائها في غروره واذا به يشاهد عاملا يقوم بتقطيع الحجارة، وتعجب إذا رأى الصخور تتهاوى بين يديه القويتين، عند ذلك هاج وثار ولم يدر ما يفعل، ثم أخذ يشعر بالضعف والمهانة أمام قوة ذلك العامل وتصميمه وعناده على تقطيع أوصاله، وتيقن عندئذ بأن قاطع الحجارة لا بد أن يكون أقوى من الجبل بكثير، فأخذ يتمنى من الله أن يعيده إلى قاطع حجارة، واذا برغبته تتحقق وهكذا عاد إلى الأصل الذي كان عليه.
هذه القصة تدل على أن الطمع في الدنيا لا ينفع ولا يجدي شيئا والإنسان المؤمن العاقل يدرك حقيقة زوال كل شيء فيها ولذا فإن عليه أن لا يحرص على حطامها الفاني ابداً.والمسلم المؤمن لا يخاف غير الله ولا يعلق رجاءه بسواه. وهو لا يحسد ولا يغار من أحد. ولا يمد يده لغير الله تعالى، أما ثروته الحقيقية في الدنيا فهي الطمأنينة وعزة النفس والاقتناع بما يكسبه من سعيه المشروع
قال الله تبارك وتعالى:
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله والتنظر نفس ما قدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون.
وقال تبارك وتعالى أيضا.
ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.

errami_abdelali
07-30-2006, 03:37 AM
سبحان الله العظيم صدق رب العالمين :
ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"

هذه وصية الله لنا معاشر المؤمنين، وصية من هو أرحم بنا من أمهاتنا، وأحن علينا من أنفسنا : ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله : أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه . ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ. أي ليوم القيامة، قال بن كثير: انظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة وسمي يوم القيامة غداً لقرب مجيئه ( وماأمر الساعة إلا كلمح البصر) واتقوا الله : كررها للتأكيد ولبيان منزلة التقوى التي هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين (ولقد وصينا الذين أتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله).

ولنقف اليوم مع : ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ ، الغد هو المستقبل الذي نخطط من أجله. ونسعى ونجد ونجتهد ونكدح ليل نهار، وحين نسأل لماذا ؟ يكون الجواب : من أجل تأمين المستقبل، ولكن أي مستقبل هذا الذي نخطط؟!! كلنا يعرف الجواب ! ولااعتراض على أن يخطط الإنسان ويسعى من أجل مستقبله في حياتة الدنيا، ولكن أليس مستقبله الحقيقي هو الآخر جدير بالتخطيط والعمل ؟! كم نمضي من أعمارنا من سنوات على مقاعد الدراسة لتحصيل الشهادات من أجل تأمين المستقبل ؟ وكم نمضي في العمل والوظيفة من أجل جمع المال للمستقبل ؟ ومقابل ذلك كم خصصنا من أوقاتنا من أجل تأمين حياة الآخرة التي هي أطول وأبقى؟ وهي الحياة الحقيقية ؟ أما تستحق منا أن نخطط لها وأن نبدأ في التحضير لها من الآن ؟ أما تستحق أن نبذل من أجلها الوقت والجهد والمال ؟ فواعجباً لإبن آدم يخطط للمستقبل الذي قد لايأتي وينسى مستقبله الآتي لامحالة !

تجد من الناس من نذر نفسه للوظيفة مخلصاً في عمله مجتهداً بكل ماأوتي من قوة يسابق الطير في بكورها ولايخرج إلا متأخراً يعمل بلا كلل ولاملل يشار إليه بالبنان في الجد والإجتهاد ويضرب به المثل في الدوام والإنضباط ولكن إذا بحثت عنه في المسجد لم تجده ! وإذا فتشت عنه بين الصائمين لم تعثر له على أثر ! وإن تحسسته في الصدقة وأعمال الخير من كفالة يتيم أو نصرة مجاهد أو رعاية محتاج أو إيواء مسكين أو إطعام جائع أو كسوة عار لم تجد له فيها سهماً ولادرهما ولاديناراً.

نعوذ بالله من الخسران ومن الذل والهوان.

ولنعد إلى الآية الكريمة ونتأمل لفظ ولتنظر : إن النظر يقتضي الفكر والفكر يقتضي التخطيط والتخطيط يقود إلى العمل والمقصود بالعمل هنا العمل من أجل الآخرة والآخرة خير وأبقى كما أخبر ربنا تبارك وتعالى... فياأخي في الله هل امتثلنا لأمر ربنا وهو العالم بما يصلح حالنا ومآلنا ؟ وهل وقفنا مع أنفسنا وقفة تأمل في لحظة محاسبة وتفكرنا في أعمالنا كم منها نعمله من أجل الآخرة ؟ وهل بإمكاننا أن نقدم أكثر وأكثر؟ هل تفكرنا في أعمال الخير ووضعنا لنا برنامجاً بحيث نضرب في كل مجال منها بسهم. كم قدمنا لآخرتنا من قيام الليل ؟ وكم قدمنا من قراءة القرآن - كنز الحسنات - كل حرف منه بحسنة والحسنة بعشر أمثالها ؟ كم قدمنا من الصدقات ؟ كم قدمنا من الصيام ؟ من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا. كم حجينا وكم اعتمرنا ؟ كم ذكرنا الله ؟ كم هللنا وسبحنا الله وحمدناه وكبرناه في اليوم والليلة ؟ وكم وكم من أبواب الخير وأعمال الآخرة التي كلها سهلة وميسورة وفي متناول الفقير قبل الغني والوضيع قبل الوزير ؟ولكن أين المشمرون؟ أين طلاب الآخرة؟

فاليقظة اليقظة ياعبدالله !! لايأتيك الموت وأنت غافل ساهٍ تركض في حياتك الدنيا تجري وراء متاعها الزائل غافلٌ عن الآخرة والآعمال الصالحة .. حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب إرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون.

اللهم لاتجعل الدنيا أكبر علمنا ولامبلغ علمنا ولاإلى النار مصيرنا، اللهم بصرنا بعيوبنا ونور أبصارنا واصلح أحوالنا واهدنا إلى صراطك المستقيم

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
http://www.roro44.com/tawqe3/freecard/gleter/alweed8.gif

رأفت الزيتاوي
07-31-2006, 01:09 AM
بارك الله فيكِ وشكراً لكِ أختي خولة على هذه القصة الجميلة والهادفة وشكراً لك أخي عبد العالي على هذا التفسير الرائع
وجعلنا الله وإياكم من الذين يعملون ويتزودون لآخرتهم.
وتمنياتي لكما بالنجاح الدائم.