المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مركز الكفيف في شقيب السلام... نورٌ يبصرون به في ظلمة الحياة



ماجد العسيري
03-28-2006, 03:43 AM
تقرير: محمد يونس

بعد سنوات قليلة، ينوي الأستاذ إبراهيم أبو جريبيع مدير مدرسة شقيب السلام "أ" الخروج إلى التقاعد، منهياً بذلك سنوات طويلة في سلك التعليم. لكن أكثر الإنجازات قُرباً إلى قلبه هو "مركز الكفيف" الذي بادر لإنشائه في المدرسة قبل سبع سنوات.

عندما زرتُ المركز، ورأيت كيف يقرأ أحد المكفوفين قصة "الثعلب والطبل" في كتاب الصف السادس بطريقة "برايل"...يتحسس النقاط البارزة على ورق أبيض فيحولها إلى كلماتٍ عادية... حينها شعرتُ بمدى التغيير الذي يحدثه هذا المركز في حياة هؤلاء الأطفال الذي حُرموا من نعمة البصر.

لهذا، لم أستغرب ما قاله لي الأستاذ إبراهيم فيما بعد، أنه عندما يغضب من شيءٍ ما في المدرسة، فإنه يذهب إلى مركز الكفيف لكي ينسى غضبه... ويقول: "المدرسة كوم"، وهؤلاء الأطفال "كوم".

المدرسة

يتعلم نحو سبعمائة طالب "عادي" في مدرسة شقيب السلام "أ" الابتدائية، وهي واحدة من بين ثلاث مدارس ابتدائية في البلدة. يعمل في المدرسة عشرات المعلمين، لدى كثير منهم شهادات في اللقب الأول، ولدى بعضهم لقب جامعي ثانٍ، ويدير المدرسة الأستاذ إبراهيم أبو جريبيع منذ سنوات طويلة، عدا ثلاث سنوات كان يعمل فيها في وظائف أخرى.

البداية:

يقول الأستاذ إبراهيم: قبل سبع سنوات، دخل إلى غرفتي أحد الآباء وسألني: أحضرتُ ابني معي.. هل تقبله عندك في المدرسة؟ فأجبته نعم، ولم لا. قال لي: ولكن انظر إليه. فنظرتُ إلى ذلك الطفل البالغ من العمر ست سنوات، فوجدته أعمى لا يرى!. بعد تفكير قصير، قلت للوالد: إذهب أنت واترك ابنك عندي.

لم يكن لديّ أي حلٍّ لمثل هذه الحالات. لكنني قررت مواجهة هذا التحدي، فأدخلتُ الطفل للصف الأول مع سائر الطلاب، ثم بدأتُ بترتيب بعض الساعات له في إحدى غرف المدرسة لكي يهتم به أحد المعلمين ويرعاه. وقد تقدّم هذا الطالب في مدرستنا حتى وصل في الصف السادس إلى رئاسة مجلس الطلاب.

في نفس الوقت الذي أجريت فيه اتصالاتي مع وزارة المعارف، كنت قد أرسلت الأستاذ طلال أبو معمر، أحد معلمي المدرسة إلى كلية ليفينسكي في تل أبيب لدراسة كيفية تعليم الطلاب المكفوفين. واليوم لدينا غرفة في المدرسة هي عبارة عن "مركز الكفيف" ويركّز نشاطها، أو بالأحرى يديرها، الأستاذ طلال.

يقول الأستاذ طلال أبو معمر: لدينا في المركز 10 طلاب، أربعة أولاد وست بنات، يتعلمون عندنا من الصف الأول حتى الصف السادس، مع العلم أن أعمارهم الحقيقية أكبر من أعمار نظرائهم.

ويضيف: هؤلاء الطلاب مُدمجون في الصفوف العادية داخل المدرسة، ولديهم أصدقاء وهم مندمجون في حياة المدرسة. بالإضافة لذلك لديهم برنامج خاص يتلقون خلاله عدة ساعات في مركز الكفيف حسب حاجتهم وقدراتهم، مع العلم أن بعضهم كفيف والبعض الآخر يبصر جزئياً بمعنى أن لديه إعاقة بصرية. يأتي هؤلاء الطلاب للمركز من مناطق مختلفة مثل كسيفة والفرعة وتل عراد وغيرها، ونحن نطمح لأن يأتي إلينا كل من يرغب من أجل الدراسة عندنا.

وحول برنامج المركز وطاقمه يقول: نقوم في المركز بتدريسهم عبر طريقة "برايل"، واستخدام التلفزيون في دائرة مغلقة، واستعمال المكبرات التي توضح المواد المكتوبة لمن نظرهم ضعيف وليسوا مكفوفين. يعمل في المركز اثنان من معلمي المدرسة بالإضافة إلى مرشدتين مؤهلتين من بئر السبع تأتيان حسب برنامج خاص. كما أنهم يشاركون في فعاليات متنوعة في نادٍ للمكفوفين في بئر السبع في ساعات بعد الظهر حسب برنامج محدد.

وعن شعوره يقول: عندما أرى هؤلاء الطلاب يكتبون أشعر بالرضا عن النفس. فبعضهم يأتي إلينا في سن 10 أو 13 سنة وهو لم يدخل المدرسة في حياته! ويكون تواجده في المركز هو أول احتكاك بينه وبين عالم الكتب والمعلمين والتدريس. في السنة الأولى نهيئهم لطريقة برايل، وبعد سنة نعلمهم الأحرف، وفي ختام السنة الثالثة يكون بمقدورهم القراءة حسب هذه الطريقة. ولهذا أطمح أن يأتي إلينا الأطفال في السن المناسبة للتعليم وليس بعد مرور فترة طويلة. وبعد أن ينهي هؤلاء الطلاب صفهم السادس عندنا، يلتحقون بمركز مماثل في المدرسة الشاملة في البلدة، أشرف أنا أيضاً عليه.

يقول الأستاذ إبراهيم: أدعو جميع أهلنا أن يرسلوا أبناءهم الذين يعانون من إعاقات بصرية إلينا، وأعتقد أن هناك عدد كافٍ في النقب لإنشاء مدرسة لذوي الإعاقات البصرية. السلطات المحلية تتكفل بالسفريات، ونحن مستعدون للتوجه لمختلف المؤسسات ولأهل الخير من أجل جمع التبرعات وتزويد المركز بكل ما يلزم. أما طموحنا فهو إنشاء مركز كبير بجانب المدرسة الابتدائية يتم خلاله دمج هؤلاء الطلاب بالتعليم العادي.

وكانت العديد من المؤسسات تبرعت لهذا المركز. ويؤكد الأستاذ إبراهيم على دور وزارة المعارف في دعم المركز مادياً ومعنوياً ومنحها المدرسة شهادة تقدير حول هذا المشروع، ويخص بالذكر المفتشين محمد القريناوي ومحمد العثامين.

ويقول الأستاذ إبراهيم أبو جريبيع: لا أجد كلماتٍ لأعبر فيها عن إحساسي تجاه هذا المركز، ولا يمكنني أن أصف شعوري عندما أجد أن طفلةً عمرها 13 عاماً التحقت بالمركز وتمكنت للمرة الأولى من القراءة والكتابة.

المصدر:
http://www.akhbarna.com/archive/314/314-15.htm