أول كفيف يحصل على الدكتوراه في الرياضيات
دكتور نول بري
بقلم
د. جكوبس تن بروك
مؤسس الاتحاد الدولي للمكفوفين
( وحدة الترجمة بشركة الرؤيا visiotech)
من هو الدكتور نول بري Newel Perry؟
ولد د.نول بري في شمال كاليفورنيا في عام 1874، وفقد بصره وتيتم منذ صغره، ثم ذهب إلى مدرسة كاليفورنيا للمكفوفين في بيركلي،
وأصبح أول كفيف يتخرج من جامعة كاليفورنيا، حيث تخصص في دراسة الرياضيات.
في عام 1900 سافر د. بري إلى أوروبا للالتحاق بجامعة زيورخ في سويسرا وحصل منها على الدكتوراه في الرياضيات.
ليكون بذلك أول كفيف يحصل على هذه الدرجة في هذا التخصص العلمي.
عاد إلى أمريكا عام 1904, وأقام في نيويورك حتى عام 1912.
قضى الدكتور بري عشرة أعوام في البحث عن عمل كأستاذ جامعي لهذه المادة، ولكن دون جدوى، فجميع الأبواب قد أغلقت في وجهه، وفي عام 1914 قرر أن يعود إلى مدرسة كاليفورنيا للمكفوفين للعمل بها كمدرس.
حاول (نول) أن يساعد الجيل التالي من المكفوفين على تحقيق ما عجز هو عن تحقيقه.
ولقد استطاع بالفعل أن يخرج مجموعة من المكفوفين النابغين في مجال المحاماة والإدارة والتشريع، وفي شتى المجالات الأخرى.
لقد أتيت قبلك اليوم، هكذا كان يستقبلني د. بري عندما يأتي إلى العمل قبلي لنؤدي معا واجبا عظيما.
كان د.بري شخصية عظيمة ودودة جدا، ونحن لا شك نقدر إسهاماته العظيمة، فلقد كان له دور مؤثر، نتج من سمات سيكولوجية فريدة جعلت منه قائدا فذا ومعلما عظيما.
إنني مازلت أذكر تلك الساعات والأيام والليالي والشهور والسنون، حيث كانت تجمعنا المخاوف والمتاعب والطموحات والضحكات أيضا، لقد قضينا كل ذلك معا.
لقد كنا تلامذته وأسرته وأصدقاءه ورفاقه، نمنا في منزله، وأكلنا على مائدته، وتعلمنا الهندسة على مكتبه، ومشينا في الطريق بجواره، واندفعنا للأمام بثقته وتفاؤله.
لقد كان يحب زوجته بغير حدود "السيدة ليلي" التي رافقته منذ عام 1912 وحتى وفاته عام 1935، ولقد كانت بمثابة الروح التي تدفعنا في مؤسستنا الصغيرة حينئذ، وكانت كلماتها الرقيقة تخفف علينا من الهموم التي كنا نعاني منها جراء التمييز ضد المكفوفين في ذلك الوقت، وبعدما ماتت السيدة ليلي ظل فضل هذه الأسرة كما هو لم ينقطع عنا، من خلال السيدة " إما" أخت الدكتور بري.
عندما تخرجت من المدرسة العليا ، خرجت بكثير من الطموح ولكن بلا شيء من المال، كنت أستعد لدخول الجامعة، وفشلت في الحصول على أي مساعدة من الدولة، الحل إذن هو إنشاء مؤسسة لهذا الغرض، وكان للدكتور بري فضل كبير في هذا الصدد من خلال جهوده لإنشاء هذه المؤسسة.
لكن إنشاء المؤسسة سيأخذ وقتا وعلي الآن أن أسجل للحصول على درجة عالية في التربية،وقام الدكتور ببري بمعالجة هذه المشكلة وبدون مناقشة، فلقد منحني قيمة الرسوم وتكاليف الإقامة طوال فترة الفصل الدراسي من جيبه الخاص.
إن المفتاح الحقيقي لتأثيره على المكفوفين، أولا أنه كان كفيفا ومن ثم فقد كان الأكثر فهما لمشاكل المكفوفين، وثانيا أنه كان مؤمن جدا بالمكفوفين.
لقد جاء الدكتور نول إلينا صبيا عمره 10 سنوات بائسا فقيرا كفيفا يتيما بلا مأوى.
واستمر يعيش في المدرسة بينما كان يدرس في جامعة كاليفورنيا من عام 1892 إلى عام 1896.
لم تكن المدرسة بالنسبة له مدرسة فقط وإنما كانت منزله الذي قضى فيه شبابه وصباه، ولذلك عاد إليها مرة ثانية بعد 16 عاما، وذلك عام 1912، وبعد أن أصبح عمره 39 سنة، ليقوم بالتدريس فيها كمعلم للمكفوفين، وظل بها حتى عام 1947.
هنا أنجز الدكتور بري أعماله العظيمة.
وهنا كانت القاعدة التي انطلقت منها المنظمات والحركات التي دافعت عن حقوق المكفوفين.
وهنا تقابلنا معه وتعلمنا على يديه.
كم كنا نسمع في هذا الممر وقع أقدامه.
وكم كنا نسمع صدى صوته يتردد في جنبات هذه الغرف.
ورغم أن هذه الأصوات وهذه الأقدام قد اختفت من هذا العالم، إلا أنها مازالت مستمرة نسمعها ونشعر بها في حياتنا.
كان الكثيرون يعتقدون أن الكفيف لا يستطيع أن يدرس الرياضيات.
لقد واجه الدكتور في هذه الفترة العديد من الإحباطات، لكنه لم يضعف ولم يستسلم، بل ولم يتوافق معها.
إن التثبيط والإحباط والإحساس بالظلم لم ينل أبدا من عزيمته ولم يثنيه عن مواصلة مسيرته.
لقد عاش سنوات من الألم والجوع لا لشيء، سوى أنه كفيف.
لقد كانت الجامعات تتهافت على تخصصه هذا، فقط غير الاسم وكن مبصرا.
لقد بدأت من هنا حركة التغيير الاجتماعي لإعادة توجيه اتجاهات المجتمع نحو المكفوفين.
أولا وقبل كل شيء لابد للكفيف أن يتخلص من محنة الفقر.
ولابد أن تتاح له ضروريات الحياة.
ولابد للكفيف أن يشعر بالأمن.
ولا بد أن يضمن الحد الأدنى من الأساسيات.
ولابد أن تتاح له فرص العمل كما للمبصرين تماما.
وعلى المجتمع أن يأخذ بعين الاعتبار احتياجات الكفيف إلى التوافق النفسي والاجتماعي بنفس الدرجة من احتياجاته الفسيولوجية.
دمج الكفيف في المجتمع كحق أساسي كعضو في المجتمع وهذا لن يكون كما نريد ما لم تتاح الفرصة أمام الكفيف كي يكتسب رزقه اليومي كباقي أفراد المجتمع.
كانت هذه كلماته ومبادئه التي كافح من أجلها.
لم يكن ذلك متاحا قبل نول بري... الذي كاد أن يموت جوعا.
لقد كان الدكتور بري المحرك الأول للقوانين والمؤسسات ولعدد من التدابير الأخرى التي عملت على حماية حقوق المكفوفين، وأتاح للمكفوفين مهنا لم تكن متاحة أمامهم من قبل.
لقد كافح في سبيل مساعدة المكفوفين على مواصلة دراساتهم والالتحاق بالجامعة والحصول على أعلى الدرجات.
وهو الذي سعى إلى تخصيص قارئ مبصر ليقرأ للطلبة المكفوفين خلال مرحلة التعليم الثانوي والجامعي بأجر تتكفل به الدولة، ولم يكن ذلك ليتاح أبدا لولا جهود الدكتور بري...
لقد كان دكتور بري أكثر من أي شخص آخر هو المفاوض الوحيد في ذلك الوقت نيابة عن المكفوفين، والمنظمة التي تقود المكفوفين.
إنه وأكثر من أي شخص آخر هو الذي علمنا أن الكفيف يستطيع بل يجب أن يقود الكفيف والمبصر معا.
إنه وأكثر من أي شخص آخر هو الذي نبهنا إلى أن عدم النظام في السير لا يؤدي إلا إلى سير غير منظم، ولكي تحصل على حقوقك لابد أن تكون خطواتك منظمة.
لقد كان معلما بمعنى الكلمة، وكان شخصية نشيطة جدا وصارمة جدا، وكان صديقا حميما لجميع تلامذته.
إنه باختصار معلم الشباب وقائد الرجال