برامج دمج المكفوفين الواقع والمأمول


ورقة عمل مقدمة من:
سلمان بن ظافر بن عبدالله الشهري
للمشاركة في ندوة
التربية الخاصة في المملكة العربية السعودية
مواكبة التحديث والتحديات المستقبلية
المنعقدة خلال الفترة من
27 - 28/10/1426هـ الموافق 29 - 30/11/2005م
الرياض - المملكة العربية السعودية







الـمـقـــدمـــــــة


الحمد لله الذي علم بالقلم علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على الهادي الأمين وخير خلقه أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن صار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد:
فإن المنهج الرباني في تعلم العلم جاء مطلق دون تقييد فالرسالة عامة لكل شرائح المجتمع وإذا كان الفرد العادي مطالبًا بالعلم فإن المعاق بصريًّا أكثر حاجة منه لأن بالعلم تستنير البصائر قبل الإبصار وتعيش الأمم وتنهض وترتقي وهذا حال مجتمعنا في هذا الوطن المعطاء الذي فتح المجال لطلب العلم لكافة شرائح المجتمع بما فيهم المعوقون بصريًّا الذين حظيوا ومنذ وقت مبكر بطلب العلم فتعلموا وعملوا وعلموا.
وما نعيشه اليوم من طفرة التوسع في برامج الدمج عامة والمكفوفين خاصة لدليل على الاهتمام الكبير بذوي الاحتياجات التربوية الخاصة عمومًا بما فيهم المكفوفين ومن خلال عملي في برامج الدمج فإن ثمة أمور علينا أن نقف معها وقفة تأمل لاستدراكها ومراجعتها لما أرى فيها من خطر يهدد النجاح الذي نتمناه لتلك البرامج وعلى هذا فإنني أسعد بأن أقدم ورقة العمل هذه التي تناولت (برامج دمج المكفوفين الواقع والمأمول) متمنيًّا من الله العلي القدير أن أكون قد وفقت فيما قدَّمته من خلالها وما كان من توفيق فمن الله وحده وما كان من قصور فمن نفسي والشيطان وقبل أن أعرض للعناصر التي اشتملت عليها ورقة العمل هذه أود أن أقف وقفة موجزة لتعريف الدمج.
فقد عرّفه الموسى في كتابه "دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم العام" (وهو دمج الأطفال غير العاديين المؤهلين مع أقرانهم دمجًا زمنيًّا، تعليميًّا، واجتماعيًّا، حسب خطة وبرنامج وطريقة تعليمية مستمرة تُقر حسب حاجة كل طفل على حده، ويشترط فيها وضوح المسئولية لدى الجهاز الإداري والتعليمي والفني في التعليم والتربية الخاصة) ص 25-26.




العناصر التي اشتملت عليها ورقة العمل

1- نبذة تاريخية عن دمج المكفوفين وقد اشتملت على:
أ‌- دور الإسلام في دمج المكفوفين.
ب‌- المراحل التي مرَّ بها دمج المكفوفين في المملكة العربية السعودية.
2- أهمية دمج المكفوفين، وقد اشتمل على:
أ- أهمية الدمج من الناحية التربوية.
ب- أهمية الدمج من الناحية الاجتماعية.
جـ- أهمية الدمج من الناحية النفسية.
3- دمج المكفوفين في المملكة العربية السعودية وقد اشتمل على:
أ- واقع برامج دمج المكفوفين.
ب- الآمال والطموحات لتلك البرامج.
4- توصيات.

1- نبذة تاريخية عن دمج المكفوفين

أ- دور الإسلام في دمج المكفوفين

لقد عُني الإسلام بذوي الاحتياجات الخاصة عامة بما فيهم المعاقين بصريًّا وندرك جميعًا الموقف التربوي لمعلم الإنسانية محمد e، مع الصحابي الجليل عبد الله ابن مكتوم
- رضي الله عنه- حينما استأذنه في إعفائه من الصلاة مع الجماعة وكيف أن الرسول
e قد أمره بالصلاة مع الجماعة لما في ذلك من دمج له في المجتمع وعلى هذا فإن الإسلام يكون قد طبق أسلوب الدمج منذ أكثر من 14 قرن من الزمان، وحينما نقرأ سيرة هذا الصحابي الجليل - رضي الله عنه- نلحظ كيف أثر في شخصيته ذلك الدمج فقد بلغ من إكرام النبي عليه السلام لابن أم مكتوم أن استخلفه على المدينة عند غيابه عنها بضع عشر مرات كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة.
وعلى الرغم من أن الله تعالى قد أعفاه وأمثاله من الجهاد فقد أبت نفسه الطموح أن يقعد مع القاعدين وحدد لنفسه وظيفتها في ساحات القتال فكان يقول "أقيموني بين الصفين وحملوني اللواء أحمله لكم وأحفظه، فأنا أعمى لا أستطيع الفرار" وقد طبق ذلك بالفعل.
فلما بلغ الجيش القادسية برز عبد الله بن أم مكتوم لابسًا درعه مستكملاً عدته، وبذل نفسه لحمل راية المسلمين والحفاظ عليها أو الموت دونها".
وحينما انجلت هذه المعركة بالنصر للمسلمين تبين من بين الشهداء الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم - رضي الله عنه- فقد وُجد صريعًا مضرجًا بدمائه وهو يعانق راية المسلمين".
ولو تناولت الشواهد الدالة على دور الإسلام في دمج المعاقين بصريًا في المجتمع لطال بنا المقام، إلا أنني أكتفي بما ذكرته من ومضة عن هذا الصحابي الجليل وكفى به شاهدًا على المعاق بصريًا المدموج من خلال مدرسة الحبيب محمد e.

ب- المراحل التي مرَّ بها المكفوفين في المملكة العربية السعودية

لقد أخذت المملكة العربية السعودية على عاتقها ومنذ تأسيسها على يد المغفور له بإذن الله تعالى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود،-طيب الله ثراه- الاهتمام والعناية بالعلم لأنه مفتاح كل نجاح ولا يمكن أن يكون لوطن تطور أو رقي دون الاهتمام بالعلم، وعلى هذا فقد كان الاهتمام بالتعليم ونشره لكافة شرائح المجتمع بما فيهم ذوي الاحتياجات الخاصة.
وقد كانت بداية التعليم الرسمي للمكفوفين بافتتاح معهد النور للبنين بالرياض عام 1380هـ، ثم توسعت شبكة المعاهد والتي تنافست في تقديم خدمتها التأهيلية والتعليمية للمكفوفين بكل نجاح، وإذا كان كل مجال في تطور مستمر فإن التعليم وأساليبه من أكثر المجالات تطور، وكما هو ديدن وزارة التربية والتعليم في الاهتمام بتطبيق أفضل الأساليب المطورة في مجال التربية والتعليم فقد كان الدمج آخر صيحة في هذا الميدان حيث انطلقت شرارة أول برنامج للدمج بمحافظة الإحساء عام 1411هـ. وبعد أن تأكد للمسئولين نجاح هذا الأسلوب التربوي فقد تم التوسع فيه ليصل في عام 1425-1426هـ إلى (138) برنامج وما كان ذلك التوسع لولا النجاح المتواصل لتلك البرامج وما كان ذلك النجاح لولا وجود الأيادي المباركة التي تقف داعمة له ومهمته به.

2- أهمية دمج المكفوفين

إن المتأمل في واقع الطالب الكفيف قبل وبعد التحاقه بالبرنامج ليرى البون شاسع والتغير واضح والاختلاف كبير حيث نجد أن البرامج قد شكله شخصية الطالب الكفيف بما يتناسب وطبيعة المجتمع الذي أصبح يتكيف معه بصورة مختلفة تمامًا عن وضعه قبل الدمج وسوف أقتصر في أهمية الدمج على النواحي التربوية، والاجتماعية، النفسية.

أ- أهمية الدمج من الناحية التربوية

أن وجود الطالب الكفيف مع زملائه العاديين ليحتم علينا أن نجعله يدرس نفس المنهج الذي يدرسه الطالب العادي وبالتالي فأن الطالب الكفيف لم يتخلف عن الركب بل إنه يسير في نفس الطريق الذي يسلكه الطالب العادي لأن المعلومة واحدة والمعلم واحد والمنهج واحد والمدرسة واحدة، وعلى ذلك فإن الطالب المدموج يعيش المنظومة التعليمية كالطالب العادي تمامًا دونما اختلاف.

ب- أهمية الدمج من الناحية الاجتماعية:

أن وجود الطالب الكفيف بالمعاهد وخاصة ممن هم بالإسكان الداخلي قد أوجد عزلة بين الطالب والمجتمع حيث أن التفاعل كان مقصور على النشاطات الكشفية أو الرياضية أو المشاركات في المناسبات فقط وبالتالي فإن الكفيف كان يعيش جُل وقته مع أقرانه المكفوفين فحسب لكن البرامج قامت على إعادة تشكيل شخصية الطالب من جديد لأن وجوده في الفصل العادي كون لديه الثقة بالنفس وكسر حواجز الرهاب الاجتماعي الذي كان يعيشه ليخرج من فصله العادي للدخول في المجتمع المدرسي ثم الخروج إلى المجتمع الخارجي بكل ثقة وقوة كما أن أولياء الأمور أصبحوا يشعرون أن ابنهم كغيره من العاديين فكثيرًا ما لاحظنا الأخوة المبصرين يدرسون مع أخيهم الكفيف في نفس المدرسة جنبًا إلى جنب لا فرق بينهم بالإضافة إلى أن تلك البرامج قد أثره المجتمع بالخبرات التوعوية عن الطالب الكفيف وأجابت على الكثير من التساؤلات التي كانت تدور في أذهان الكثير من أفراد المجتمع عن المكفوفين. فالمعلم العادي بالمدرسة والطلاب العاديون ينقلون تلك الخبرات إلى أسرهم ومجتمعاتهم وعلى هذا فإن برامج الدمج تكون قد حققت دور إعلاميًّا كبير في التوعية لأن كل برنامج وسيلة إعلام بحد ذاتها.
جـ- أهمية الدمج من الناحية النفسية

أن بُعد الطالب عن أهله ليولد الكثير من المشكلات النفسية لاسيما إذا كان سن الطالب صغيرًا وفي المقابل علينا أن نتصور وضع الأسرة في حال غياب ابنها الكفيف عنها لمدة قد تمتد في أغلب الأحيان إلى الفصل الدراسي الكامل لكن وجود هذه البرامج قد عالج تلك المشكلة فأتاح للطالب الكفيف أن يدرس بالقرب من أسرته حاله حال إخوته وهذا الأمر لوحده كافٍ لنجاح تلك البرامج كما أن البرامج ساهمت في تحسين وضع الكفيف النفسي حيث أصبح يثق بذاته، جريء في إبداء أفكاره حريص في مشاركة زملائه العاديين في النشاطات والفعاليات المدرسية المختلفة وقد أكد لي الكثير من العاملين في برامج دمج المكفوفين أن تلك البرامج قد ساهمت في تحسين الوضع الصحي لدى الطالب الكفيف وكذلك الوضع السلوكي والانفعالي.

3- دمج المكفوفين في المملكة العربية السعودية

أ- واقع برامج دمج المكفوفين

إن المتأمل في واقع برامج دمج المكفوفين اليوم ليقف وقفة إعجاب وإكبار لتلك الجهود المخلصة المباركة التي تقف وراء تلك البرامج والتي تبذل جهودًا حثيثة في نشرها لتصل إلى كل طالب كفيف في محافظته ومركزه وهجرته. وإن العدد الكبير التي وصلت إليه تلك البرامج لدليل على نجاح تلك البرامج في مملكتنا الحبيبة وقد تناولت فيما سبق جانبًا من أهمية تلك البرامج لكنني سوف أعرج بعض من مكامن الخلل والتي قد تشكل في مجملها إن لم تعالج إرباكًا وخلل في سير العملية التربوية في تلك البرامج ومن تلك الأمور على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
1- عدم اختيار المدرسة المطبقة بها البرنامج وفق الشروط والضوابط التي وضعت لهذا الغرض.
2- تطبيق البرنامج قبل أي توجيه أو إرشاد كافٍ سواء للكادر الإداري أو الطلاب أو المعلمين.
3- تطبيق البرنامج قبل التجهيز الكافي له.
4- عدم توزيع البرامج جغرافيًا بما يتناسب وأماكن سكن الطلاب المكفوفين.
5- جهل العاملين في المدرسة والبرنامج بالمهام المنوطة بكل شخص منهم.
6- عدم التواصل المطلوب بين البرنامج والمدرسة بالشكل الذي يخدم البرنامج .
7- ضعف تواصل البرامج مع أولياء الأمور.
8- عدم الوضوح في إلزامية التحاق الطالب بالبرنامج المتوفر بالقرب من منزله.
9- قضية النسبة التي باتت هاجس الكثير من العاملين في المدارس المطبق بها برامج للدمج على حساب مبادئ المهنة والمواطنة.
10- ضعف التواصل بين البرامج المختلفة في المدينة الواحدة لتبادل الآراء وتلاقح الأفكار فيما من شأنه خدمة وتطوير تلك البرامج.
11- الاتجاهات السلبية نحو البرامج من قبل بعض مدراء المعاهد أو المعلمين بها.
12- عدم تفعيل دور غرف المصادر بالبرامج بالشكل المطلوب.

ب- الآمال والطموحات لتلك البرامج

ذكرت سابقًا عند الحديث عن أهمية البرامج الدور الكبير والفعَّال لها ولا يخفى على أحد منَّا ما لتلك البرامج من جوانب إيجابية تدفع الجميع إلى بذل الجهود الحثيثة في نشر تلك البرامج وتطويرها بما يخدم الطالب الكفيف أينما كان في مملكتنا الحبيبة وإن وجود بعض مكامن الخلل لا يعود إلى أسلوب الدمج لكنه يعود إلى سوى تطبيق تلك البرامج وعدم الالتزام باللوائح التنظيمية لها، ولكن باحتواء تلك السلبيات وتداركها وإصلاحها ليجعل من تلك البرامج منارات إشعاع لطالبنا الكفيف لأن الآمال والطموحات تتوق وتصبوا إلى أن يطبق في مدارسنا الدمج الكلي لطلابنا المكفوفين ولن يتسنى لنا ذلك إلا إذا تجاوزنا المرحلة الحالية من التطبيق الجزئي بكل جدارة وكفاءة.

4- التوصيات

قبل أن أختم ورقتي هذه أقدم هذه التوصيات التي أتمنى أن تؤخذ بعين الاهتمام وهي:
‌أ- الاستمرار في التوسع في برامج دمج المكفوفين وعدم التوقف لأي عارض كان.
‌ب- الإشراف والمتابعة المستمرة للبرامج لتدارك ما قد يكون فيها من خلل لضمان سيرها بالشكل المطلوب.
‌ج- الالتزام بعدم تطبيق أي برنامج إلا وفق الضوابط المنصوص عليها في اللوائح التنظيمية لبرامج الدمج.
‌د- وضع حوافز تشجيعية للبرامج المتميزة لخلق جو من التنافس بينهما.
هـ - إعادة تقييم مستوى البرامج بشكل دوري لضمان سيرها بالشكل المطلوب المتوافق مع التطور المتزايد والسريع في العملية التعليمية.