مكفوفون في كردستان.. معاناة خلف أسوار الجامعة وخارجها

يصرّون على مواصلة الدراسة رغم قسوة الظروف كثيرون هم الذين بحاجة ماسة الى مساعدات عاجلة ورعاية خاصة في إقليم كردستان العراق الذي يمكن تشبيهه بمملكة صغيرة لآلاف المعاقين من ضحايا الحروب ومخلفات النظام السابق من الألغام الارضية والمتفجرات، وكذلك المكفوفين ومرضى الثالاسيميا والعجزة والمسنين الذين لا معيل لهم. ففي جامعة السليمانية مثلا هناك نحو 12 شابا مكفوفا يمثلون النخبة المثقفة لعشرات آخرين من المكفوفين في نطاق المدينة ذاتها ممن يدرسون في مختلف الكليات الانسانية في ظل ظروف اجتماعية ومادية قاسية جدا مقرونة باهمال ملموس من قبل الجامعة والجهات المعنية في حكومة الاقليم، التي لم تبادر لحد الان الى اقامة مراكز لرعاية هؤلاء الشباب وغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

بادرت «الشرق الاوسط» إلى رصد حياة هؤلاء الشباب لتلقي الأضواء على طبيعة معيشتهم اليومية خلف اسوار الجامعة وخارجها ومعاناتهم الدراسية في كلياتهم وتعاطيهم مع المحيطين بهم وصراعهم الدائم والمرير مع العتمة وسبل أدائهم للامتحانات.

ففي احدى غرف المبنى المخصص لمبيت الطلبة الجامعيين التقينا عددا من الشباب المكفوفين الذين فقد البعض منهم بصره وراثيا والبعض الآخر اثر حوادث السير أو جراء العبث بالمتفجرات والذخائر الحربية أو الألغام الارضية، وهم منهمكون بالمذاكرة استعدادا لأداء امتحانات نهاية العام الدراسي.

تحدث هيزا أحمد محمود ،24 عاما، الطالب في المرحلة الثانية من قسم الاجتماعيات بكلية العلوم الانسانية عن كيفية فقده لبصره قائلا «في الثامنة من عمري كنت تلميذا متفوقا جدا ومولعا بالدراسة والكتب والمدرسة وكانت اسرتي تفرض علي رقابة صارمة وتمنعني دوما من اللهو واللعب مع اقراني من أطفال حينا، وفي احد ايام انتفاضة عام 1991 انتهزت فرصة انشغال افراد الاسرة وخرجت من البيت لألعب مع زملائي الأطفال الذين كانوا منشغلين في العبث بالذخائر الحربية التي تركها احد اتباع النظام السابق في منزله بعد فراره فتناولت اطلاقة مدفع رشاش محاولا تفجيره بالطرق عليه بواسطة قضيب حديدي مثل سائر الاطفال فانفجرت الاطلاقة بوجهي وتسببت في اصابة عيني أدت الى العمى التام ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلة عذابي وصراعي الابدي مع العتمة». واضاف هيزا انه امضى بعد الحادث عدة سنوات منزويا في البيت حتى وجد فرصة للخروج من اعتكافه الطويل عبر الالتحاق بمعهد للمكفوفين في اربيل فاكمل هناك المرحلة المتوسطة والاعدادية ليلتحق بعد ذلك بجامعة السليمانية حيث بداية مرحلة جديدة من المعاناة من نوع خاص في المحيط الدراسي وتابع قائلا «نحن مجموعة من الشباب المكفوفين في الجامعة نعاني كثيرا من غياب وسائل التعليم الخاصة بالمكفوفين مثل المحاضرات المسجلة على الاشرطة او المناهج المكتوبة بحروف بارزة وغيرها من وسائل الايضاح لذلك نضطر في الغالب الى تلقي المحاضرات عبر الاستماع فقط او تسجيلها احيانا على اشرطة او استنساخها من دفاتر زملائنا الآخرين، وهي عملية عسيرة بالنسبة الينا لأننا نحتاج الى من يتلو علينا كل تلك المحاضرات قبل اداء الامتحانات التي تشتد معاناتنا اثناءها، خصوصا ان الجامعة لا توفر من يساعدنا في تدوين اجاباتنا على الاسئلة الامتحانية، باستثناء امتحانات نهاية السنة حيث يتم توفير مساعدين يتولون كتابة اجوبتنا بعجالة وفي زمن اقل من الذي يمنح للطلبة الآخرين واحيانا يتطوع بعض الاصدقاء او الموظفين لأداء تلك المهمة اشفاقا علينا في حين ينبغي ان تكلف الجامعة موظفين مختصين للقيام بذلك كجزء من وظيفتهم وطوال العام الدراسي». وتابع هيزا قائلا «احيانا يتعذر توفير المساعدين فيقوم مدرس المادة بإلقاء الاسئلة علينا شفويا ويطلب منا الاجابة عليها بسرعة في غضون 15 – 30 دقيقة، وعندها يشعر الواحد منا بأنه يمثل امام القضاء لا في قاعة امتحان، في حين يحصل الطلبة الآخرون على ساعتين من الزمن للإجابة على اسئلة الامتحان التحريري وبلا شك هناك فرق كبير بين الحالتين». واكد هيزا ان رئيس القسم في كليته طلب من الجهات العليا مرارا تعيين موظفين لمساعدة المكفوفين على ادء الامتحانات ولكن بلا جدوى. اما كارزان محمد غريب ،24 عاما، والطالب في المرحلة الثانية من قسم الاجتماعيات ايضا ومن اهالي منطقة شاربازير القريبة من السليمانية والذي فقد بصره ويده اليمنى نتيجة انفجار لغم ارضي عليه اثناء قيامه بتطهير مساحات زراعية في قريته من الألغام التي زرعها النظام السابق هناك إبان حربه مع ايران فقد اعرب باسم أقرانه عن الامتعاض الشديد من اهمال السلطات المحلية لشريحة المكفوفين والمعاقين في كردستان وقال «الحكومة لا تكترث مطلقا بمطالب الشباب الأصحاء وعموم الشعب فكيف الحال بمطالب المعاقين والمكفوفين!! وتابع قائلا «ان ما نطالب به نحن الشباب من ذوي الاحتياجات الخاصة قد لا يتحقق في كردستان ربما في عقود طويلة اخرى من الزمن.

وعن تصوراتهم المستقبلية بعد اكمال المرحلة الجامعية وكيفية ممارسة تخصصاتهم وامكانية ايجاد فرص العمل في ظل البطالة المتفشية في الاقليم قال كارزان «بوسعنا ان نكون مدرسين في مجال تخصصاتنا وانا على يقين باننا سننجح في تلك المهمة، وبالنسبة لي فاطمح ان اكون مدرسا للفلسفة في احد المعاهد بالاقليم».

وبخصوص طبيعة علاقات الصداقة فيما بين الطلبة المكفوفين انفسهم في الجامعة اوضح كارزان بان الاختلاف في التوجهات الفكرية بين زملائه واقرانه المكفوفين لم تفسد علاقات الصداقة الحميمة والوثيقة بينهم رغم كون بعضهم ذا ميول دينية متطرفة والبعض الاخر ذو توجهات علمانية وحداثوية، وعزا ذلك الى جملة من الاسباب اهمها غياب المصالح المادية التي قال انها السبب الاساس في بروز وتفاقم معظم الخلافات التي تسود علاقات بني البشر.

السليمانية: هيوا عزيز

الشرق الأوسط


.
تاريخ النشر 05-07-2008
أتى هذا المقال من Gemya Kurda
http://www.gemyakurda.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.gemyakurda.net/&req=article&sid=11474