قصص أقصر من عقلة الأصبع..
للروائي العربي إبراهيم الكوني عن مجموعته الفصلية »شجرة الرتم«.
1- الطفل:
تعوّدت الأم أن تبعث بالطفل، الذي لم يتجاوز الست سنوات، إلى الأب عندما تريد أن تحصل على نقود. وتعوّد الأب أن يمنحه النقود دائماً سواء أكانت الأم في حاجة حقيقية لها أم لمجرد شراء حاجيات لا لزوم لها.
وفي يوم جلس الأب يشاهد مبازرة في مسرحية تلفزيونية والطفل يلعب بجواره. وفجأة غمد البطل السيف في قلب خصمه الذي خرّ صريعاً. استرعى ذلك انتباه الطفل فسأل الأب:
- لو حدث لك ذلك فماذا ستفعل؟
أجاب الأب:
- لا شيء.. سأموت بالطبع.
عاد الطفل يعتني بلعبه، فسأل الأب:
- ولكن قل لي أنت ماذا ستفعل بدوني عندما أموت؟
أجاب الطفل بعد فترة صمت دون أن يرفع رأسه عن اللعب:
- سوف أستولي على نقودك!.

2- بصر الكاتب:
لم يتعود أن يلجأ الى الأطباء في كل الأمراض التي أصيب بها. ولكنه أصيب بمرض في عيونه حتى إنه لم يعد يستطيع أن يقرأ في الليل. يفتح الكتاب فتتراقص الحروف ويشعر بوخز كالإبر في مقلتيه. صبر ثلاثة أيام بلا قراءة على أمل أنه مرض طارىء كالعادة، ولكن الألم تمادى. فكر: ماذا سيفعل إذا تطور المرض وتحول إلى فقدان البصر؟ كيف سيقرأ دوستويفسكي وسترندبرغ واغوتاداوا ريونسكيه؟ بل كيف سيكتب؟
شعر بالفزع، ولم ينم طوال الليل.
في الصباح.. كان أول المنتظرين في العيادة!.
لقد هرع الى الطبيب إذن.

3- القطار:
أحالوه الى التقاعد بعد ثلاثين عاماً ظل خلالها يصل الى مقر العمل بواسطة القطار.
عاد الى البيت وتراخى على الأريكة ففي الغد لن يذهب إلى العمل لأول مرة، ولن ينتظر في المحطة، ولن يدخل نفس القطار، ولن يلتقي بالوجوه التي تعود أن يراها كل يوم في الذهاب، وفي طريق العودة: السائق في مؤسسة النقل العام، الموظف في البلدية، بائع الفحم الطبيعي، ووجوه أخرى كثيرة اختفت. كانوا يتبادلون النظرات دائماً عندما يغيب أحد رواد القاطرة، نظرات كئيبة تقول: »إذن لقد تقاعد«، وتنقبض صدورهم بالألم، لأنهم يدركون أن الدور القادم سيكون أحدهم، ولكن القطار يمضي دائماً كأنه لا يشعر بشيء، كأن الأمر لا يعنيه.
وها هو ذا الدور يدركه. تساءل في نفسه: ماذا سأفعل بدون أصدقائي في القطار؟ سأجوب الحقل، وأتبادل الحديث مع الجيران، ثم أعود وأجلس، أشاهد التلفزيون أو أقرأ الصحف، ثم ماذا؟
فكر المتقاعد طوال الليل، وفي الصباح نهض مبكراً، ارتدى ملابس العمل وذهب الى المحطة!.

4- العقل:
عندما وقعت الحادثة لثاني مرة جاءت الزوجة ثائرة في وجه العاملة بالأجر في البيت وقالت بغضب:
- لماذا تنسين أن تعيدي الأشياء إلى مكانها الطبيعي؟ لماذا لا تعيدين خيط الكهرباء للثلاجة الى مكانه الطبيعي عندما تجرفه مكنستك الكهربائية؟
قالت العاملة ببراءة مستغربة:
- أنا؟ لم يحدث والله أبداً. كنت أراعي ذلك دائماً.
همهمت الزوجة:
- غريبة؟
ولكن الحادثة تكررت مع الثلاجة المزعجة التي كانت تدمدم بصوت مزعج عال أحيانا، وتصمت بين الفينة والأخرى، وتجد الزوجة في كل مرة الخيط الذي يوصل الثلاجة بالكهرباء مفصولاً.
اشتكت الزوجة الى الزوج الذي نفى أن يكون له علاقة بالأمر واكتفى بأن قال كأي زوج:
- يا رب كم مزعج عالم هذا البيت، تتهمونني حتى بفصل ثلاجتكم المزعجة عن الكهرباء؟ دعوني في حالي.. سبحان الله!
قلقت الزوجة للأمر لدرجة أنها خشيت من العفاريت التي ربما بدأت تجتاح البيت. وقبل أن تبوح للزوج بالسر رأت الطفل الذي لم يتجاوز الثلاث سنوات يتسلل الى الثلاجة المزعجة ويسحب الخيط الذي يوصلها بالكهرباء بمجرد أن تبدأ في دمدمتها المعتادة ضحكت في سرها، ولكنها، كأي امرأة لم تكتم الأمر عن الزوج، وأباحت له بما رأته مقهقهة بسعادة، ولكن الزوج استمر يقرأ جرائد الصباح بلا اهتمام. اكتفى بأن حدجها بنظرة دهشة.
ومنذ ذلك اليوم بدأ يحلو للأم أن تتسلى بمراقبة طفلها وهو يفصل خيط الثلاجة عن الكهرباء بمجرد أن تبدأ في دمدمتها المزعجة.
ولكن...
ولكن الطفل كف عن هذا العمل نهائياً بعد سنتين ونصف.
استغربت الزوجة ذلك وسألت الزوج، بقلق عن السبب. قال الزوج وهو يحشو غليونه بتبغ »كلان« الهولندي:
- لقد كان يريح نفسه ويريحنا من صوتها المزعج، ولكنه بدأ يكبر ويعقل!.

5- الكبار والصغار :
سأل المذيع الطفل، في يوم الطفل العالمي:
- هل تريد أن تكبر وتصبح رجلاً؟
- نعم.
- لماذا؟
- لأن الكبار يستطيعون أن يمارسوا كل شيء!
رجل من الكبار قال وهو يحيي الأطفال في حفل أقيم بنفس المناسبة:
- نحييكم أيها الأطفال ونأسف - جميعاً نحن الكبار - لأننا لم نعد أطفالاً.
يا لها من مفارقة إلهية. الطفل ينشد أن يكون »كبيراً«، لكي يمارس كل شيء، قبل كل شيء: الخطيئة!.
و»الكبير« يسعى لأن يصبح طفلا، لأنه يسعى لأن يهرب من كل شيء، وقبل كل شيء من: الخطيئة!.

6- شجرة الشمال:
في نهاية مايو من كل عام تجتاح المدينة سحب بيضاء من زهور تتطاير في الفضاء كالصوف، كندف الثلج في الشتاء، فيهاجمه والأذن، صداع، رشح.. شيء لا يطاق يستمر شهراً كاملاً.
في العالم الثاني قالوا له:
- إنها الحساسية.
- من ماذا؟
- من زهور شجرة الـ TOPOLA.
بحث في القاموس فإذا بها تعني »شجرة الحور« التي لم يسمع بها طوال حياته، ولم يقرأ عنها حتى في الكتب كذلك.
إذن هي من أشجار الشمال، والعلاج؟ ليس ثمة علاج.
قالوا له: »العلاج الوحيد أن تهاجر الى المناطق الجنوبية حيث لا وجود للشجرة«.
إذن الهجرة هي العلاج.
تساءل »يا ترى هل الحساسية هي المرض الوحيد الذي تسببه شجرة الشمال؟ أم أن ثمة أمراضاً أخرى أكثر حساسية ولا علاج لها يمكن أن يجنيها المرء من إقامته في الشمال عندما ينسى ويجد نفسه معزولاً عن جذوره«؟

7- الطفل واللوحة :
عاد الأب يسأل الطفل الذي لم يبلغ الست سنوات:
- على أية حال ماذا ستفعل عندما أموت؟
قال الطفل وهو لم يرفع رأسه نهائياً عن ألعابه؟
- سوف أستولي على نقودك.
- ولكن ليس لدي نقود يمكن الاستيلاء عليها.
قال الطفل في إصرار:
- لديك نقود. إنك تخفيها هناك، خلف اللوحة.
فكر الأب لحظات. ليس هناك لوحة في البيت على الإطلاق يمكن أن تخفي خلفها خزنة نقود فمن أين جاء الطفل بهذه الأفكار؟!

8- الطفل والملل :
عاد الأب يسأل الطفل بإلحاح:
- ولكن ليس لدي نقود بالفعل.. إنني لا أخفي عنك شيئاً. أريد أن أسألك فقط ماذا ستفعل عندما أموت؟
قال الطفل بملل:
- أرجوك، لقد مللت. لا تسألني عن مثل هذه الأشياء مرة أخرى.

9- التلفزيون :
متى وأين »سوف ننتقم منكم لأننا نأتي لكم بالمسرح إلى بيوتكم«. أعتقد أن ذلك أتى به الإنجيل في أحد إصحاحاته.
لقد قاومت ذلك كثيراً. قاومت المسرح الذي ينزع الروح من الإنسان دون أن يمنحه شيئاً بالمقابل. قاومت التلفزيون، ولكنه انتصر أخيراً ودخل الى بيتي بعد صراع استمر عشر سنوات، ولذلك لم أستغرب عندما ظللت طوال ذلك الوقت لا أقرأ ولا أكتب!.

10- الدموع :
يقولون في الأمثال الشعبية إن »في الدموع راحة« فلماذا لا يستطيع أن يبكي؟ إنه يشعر بمأساة الحياة في الترح وفي الفرح كل يوم، ولكنه لا يستطيع أن يبكي أبداً بـ... الدموع. ليس ثمة أقسى وأتعس من أن يبكي المرء ولا يستطيع أن يذرف الدموع! إنه يعرف معنى ذلك العقاب! لذلك هو على استعداد لأن يدفع كل ما يملك مقابل أن يذرف دمعة واحدة!.