حسين الأمير المدرس بالمعهد
الكفيف، والقارئ المثقف..

قهر الصعاب بالإرادة الحديدية والتشبث بالثورة المعلوماتية
‘’بعد دخولك قرية عالي من دوار المرور، سيصادفك دوار آخر فاتجه يسارا، ثم اتجه يمينا، وبعد أن تصل إلى الدوار القريب من مشويات النعيم، ستجد ورشا للنجارة ومحلات تجارية أخرى على يسارك، اتركها واتجه يسارا بعد أول مرتفع، ثم اتجه يمينا فيسارا مباشرة، وبعد ثلاثة مرتفعات ستجد محلا لبيع السندويشات على يمينك، فاتجه بعده يميناً إلى أن تجد على يسارك صندوقا أزرقا لحفظ أسطوانات الغاز، قف فأنت وصلت منزلي’’. هكذا وصف مدرس اللغة العربية الكفيف، حسين الأمير منزله، عندما سعت (الوقت) للقائه، والذي استهله، بطباعة بضعة أسطر على حاسوبه الشخصي، أرادها أن تصل إلى جميع القراء ‘’بسم الله الرحمن الرحيم، يسرني أن أكون في صحيفة (الوقت)، وأرجو أن يكون أمثالي، دافعاً لبذل مزيد من العطاء، لخدمة الإنسانية’’.

حسين الأمير، في بداية العقد الثالث من عمره، كفيف منذ ولادته، تخرج من جامعة البحرين تخصص لغة عربية ودبلوم تربية، متزوج، ولديه قيس (3 أعوام)، وينتظر الآن المولود الآخر، يعمل حالياً مدرساً لمادة اللغة العربية في المعهد السعودي البحريني للمكفوفين، يهوى العزف على آلة (الأورج)، كما أنه مغرم بالقراءة والمطالعات الفكرية، إذ بدأ منذ 5 أعوام، تخصيص وقت للقراءة، من 6 صباحاً حتى 12 ظهراً، ناهيك عن حرصه الشديد على متابعة الصفحات الثقافية بالصحف المحلية، بشكل شبه يومي، واصفاً (الوقت) بـ ‘’المميزة في هذا الجانب’’.

بدأ الأمير حديثه، بالقول ‘’أنهيت مرحلتي الدراسة الابتدائية والإعدادية في معهد النور للخليج العربي (المعهد السعودي البحريني للمكفوفين) حالياً’’، مشيراً إلى أن ‘’الموارد البشرية والمادية الخاصة بفئة المكفوفين، كانت متوفرة، إذ كان المدرسون مؤهلين بالشكل الكافي للتعامل معنا، في الوقت الذي وفر المعهد لنا جميع الكتب اللازمة مطبوعةً بطريقة برايل، كما وفر لنا الآلات المختلفة المستخدمة لكتابة تلك اللغة، كآلة (بيركنز)’’.

وعبر الأمير عن شعوره بأنه ‘’لم يحس يوماً، بالنقص أو الاختلاف عمن حوله في الدراسة، الذين كانوا يعاملون كبقية المدارس الأخرى، من حيث الأنشطة والفعاليات’’، لكنه عاد فقال إن ‘’كنا نعيش، الجو السابق، داخل أسوار المعهد، إلا أنه في حياتنا مع المجتمع، كان الوضع مغايراً’’.
وتابع ‘’إذ كنا - هو وأخيه شبه الكفيف- نتعرض للرمي بالحصى عند اللعب عصراً في القرية، من قبل الأطفال الذين هم في نفس عمرنا، كما كانوا يصرون على رمينا بالألقاب كالعمى وغيرها’’.

واعتبر أن ‘’ذلك السلوك، أحدث لديه رد فعل إيجابي تمثل في تقبل إعاقته، والإيمان بأن التغيير ينبع من داخل الفرد نفسه’’، مذكراً أنه ‘’كان في طفولته يصرُّ على ركوب الدراجة الهوائية أسوة ببقية الأطفال، معتمداً في ذلك على سمعه وإحساسه’’.

وأوضح الأمير أن ‘’الحوادث البسيطة التي تعرض لها، لم تكن كافية لتثنيه عن ذلك، لولا شعوره بتخطي مرحلة اللعب بالدراجة’’.
ورأى أن ‘’الشخص العادي، لا يحتاج إلى بقية حواسه الأخرى في معرفة ماهية الأشياء المادية كالتفاحة مثلاً وصلاحيتها، بينما يحتاج الكفيف إلى أدوات المعرفة المختلفة التي يتمتع بها’’، مشيرا إلى أن ‘’هذا هو سر قدرة الكفيف على تمييز اتجاه الصوت، حجم المكان، عن طريق ارتداد صوته على الجدران’’.
وقال إنه ‘’في المراحل الأولى من حياته، كانت علاقته مقتصرة على المنزل والمدرسة، إلا أن والدته التزمت بأخذه للمشاركة في الأنشطة المجتمعية المختلفة، مثل المعهد الكلاسيكي للموسيقى’’، مضيفا أنه ‘’تعرف هناك، على أحد أهم الأصدقاء في حياته، والذي بدأ معه مرحلة جديدة، بعد تبادل الزيارات والخروج سويا’’.
وتابع ‘’مازلنا صديقين، منذ العام 1987 وحتى الآن، علماً أنه الشخص الذي شجعني حقاً على تكوين العلاقات الاجتماعية والتوسع بها’’.
وأوضح الأمير أن ‘’مشاركاته في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، تنوعت، إذ بعد دراسته آلة (البيانو، العود) شارك في بعض احتفالات ذكرى تأسيس المعهد الكلاسيكي’’، مشيرا إلى أنه ‘’حصل على المركز الأول، بعد مشاركته في نادي الحالة للهواة والعزف أيضاً على (الأورج)، وكانت والدته تأخذه، وتعيده إلى المنزل’’.

كسر مرحلة العزلة
واسترسل ‘’التقيت في المرحلة الثانوية أحد الأصدقاء المكفوفين، والذي علمني كيفية الخروج منفرداً من المنزل، والاعتماد على الذات في التنقل مستخدماً سيارات (النقل العام) حينها، أو بالإشارة إلى السيارات المارة’’.
وتابع ‘’كما أرسى، في داخلي قواعد عدم الخجل من السؤال عن المواقع التي أرغب الذهاب إليها، عن طريق المحاكاة بعد المعاينة’’، مستذكراً ‘’مغامرته الأولى مع أخيه الكفيف (عصام)، بالذهاب إلى المعهد والعودة، باستخدام النقل العام’’.
واعتبر الأمير أن ‘’تلك كانت البداية، لحضور كثير من الأمسيات والمحاضرات في مختلف مناطق المملكة، كجمعية الإصلاح، نادي العروبة، نادي الخريجين، أسرة الأدباء والكتاب’’، مؤكداً أن ‘’حضوره تلك الأنشطة، هو الذي ساعد على دمجه، مع المجتمع بشكل أكبر’’.

6 ساعات يومياً للقراءة
كيف استطاع الأمير، أن يشبع ولعه الشديد بالقراءة والمعرفة، في ظل محدودية الكتب والمصادر المطبوعة بلغة برايل؟
ربما يثير هذا السؤال، الاستغراب في ذهن القراء، إلا أن الأمير يوضح الأمر، عندما يقول إن ‘’خاله، وافق على تخصيص وقت مشترك للقراء 6 ساعات من صباح كل جمعة، اعتبارا من الساعة ,6 شريطة أن تكون الكتب ذات ميول مشتركة، حتى يستفيد الطرفان’’، مشدداً على أن ‘’خاله، مازال ملتزماً بالاتفاق، إذ يأتي، ويأخذه إلى منزله، للقراءة، ويهب به من بعد إلى المكان الذي يرغبه’’.

وأضاف ‘’كان خالي، يحرص على تجنب المواعيد والالتزامات التي تتعارض مع وقت القراءة’’.
وأرجع الأمير توقفه عن كتابة الشعر إلى ‘’التغير الجذري الذي حصل في نظرته للحياة وفلسفتها’’، مشيرا إلى أنه ‘’أصبح يؤمن أن الكتابات الأدبية، ما هي إلا انفعالات، حصلت جراء مواقف معينة’’.
وقال ‘’من الضروري، معالجة الموقف، بدلاً من الاستغراق في الانفعال’’، معتبرا أن ‘’الشعر لا يرتقي إلى فكر قادر على استيعاب الموقف وحله’’.
ودعا الأمير إلى ‘’التوجه نحو الكتابة، وتحليل المواقف بأسلوب عقلاني وحجج منطقية، مدعمة بالدلائل العلمية’’، معتبرا أن ‘’على الإنسان، تغيير نفسه من الداخل، كما يستطيعون تغيير الواقع من حولهم’’.

الثانوية والتعليم الجامعي
إلى ذلك، عاد الأمير، مستعرضا رحلته التعليمية، مشيرا إلى أن ‘’معهد النور للخليج العربي، كان يمرُّ بمرحلة تغيير إداري، رافقها نقص حاد في الكتب، آلات الكتابة، إضافة إلى انفصال والديه، مما هدد بتوقف مشواره الدراسي’’.
وأضاف أن ‘’زميلا سعوديا، عرض عليه أن يكمل دراسته في معهد بالسعودية’’، مشيرا إلى أنه ‘’استطاع التسجيل في المعهد، هو وأخوه، وقضيا 3 أعوام في الغربة، حتى إنهاء المرحلة الثانوية العام .’’1995
وعن المرحلة الجامعية، أوضح الأمير ‘’كان ما يهمني، هو الحصول على بعثة دراسية، نظراً لعدم توفر الإمكانات المادية لمواصلة الدراسة’’، منوهاً أنه ‘’تحدث مع وزير التربية والتعليم في ذلك الوقت، وحصل على بعثة في اللغة العربية بكل بساطة، خصوصاً أنه كان متفوقا في الثانوية العامة بمعدل 94%’’.
أما عن الصعاب التي واجهها الأمير في هذه المرحلة، فقد ‘’تمثلت في البحث، ومتابعة المحاضرات، والوصول إلى شخص متفرغ لقراءتها له، ليقوم هو بكتابتها بطريقة برايل أو تسجيلها على شريط كاسيت ليتمكن من استذكارها لاحقاً’’، معتبراً ‘’البحوث والتقارير الدورية بمثابة (الطامة الكبرى)، إذ يستلزم إعدادها، وجود مرافق إلى المكتبة لقراءة المصادر، واختيار المطلوب منها’’.

الراديو، بدايته نحو الانفتاح الفكري
ومن الواضح أن (الراديو)، كان رفيق الأمير، منذ أن كان عمره 12 عاما، وكما يقول ‘’كانت التحليلات الإخبارية والبرامج الأدبية والعلمية، الأكثر جذباً’’، مشيراً إلى أنه ‘’حتى الآن، قرأ أكثر من 90% من الكتب المطبوعة بلغة برايل في المعهد، وتلك الموجودة في مكتبة جمعية الصداقة للمكفوفين’’.
وأضاف أن ‘’الندوات المختلفة التي كان (لا يزال) يحرص على حضورها، ساهمت في إثراء الجانب الفكري لديه، بشكل كبير’’، مذكراً أنه ‘’اكتسب بعض الأفكار حول العلاقات الاجتماعية، وتعامل المجتمع مع الخارجين عن القانون، من خلال بعض المسلسلات التلفزيونية’’.
وأوضح الأمير أنه ‘’متابع بشكل دائم للصحف المحلية، عن طريق الانترنت، ويفضل قراءة الشؤون الثقافية في صحيفة (الوقت)’’، معتبرا أن ‘’كتاب (نقد العقل العربي للدكتور محمد الجابري) من أبرز الكتب ذات التأثير على شخصيته’’.

الأمير والطفرة المعلوماتية
لم يخطر، بذهن الأمير يوما، أن يستخدم الحاسب الآلي، والانترنت، مشيراً إلى أنه ‘’مع مطلع التسعينات، كان التفكير بالحاسب الآلي ضرباً من الخيال، وفي منتصف ذات العقد، بدأ يشيع وجود أجهزة يمكن توصيلها بالحاسب، تترجم كل ما يطبع على الشاشة إلى طريقة برايل، ومن ثم يقوم الكفيف بقراءتها عن طريق اللمس’’.
وقال إن ‘’اقتناء ذلك الجهاز، كان حلما، لارتفاع سعره الى أكثر من ألفي دينار، إضافة إلى أن الجهات المسؤولة في المملكة، لا تقدم دعما ماديا’’.
واسترسل ‘’جاءت شركة تسوق تلك الأجهزة، واستطعنا الكتابة بأنفسنا في برنامج (الورد)، كما تمكنا من الدخول على الشبكة العنكبوتية’’، مشيراً إلى أن ‘’أحد المسوقين تبرع له بذلك الجهاز، ومن هنا كانت انطلاقته على الانترنت، وقراءة الكتب المتنوعة، والصحف المحلية بشكل يومي’’.
وتابع ‘’كانت مشكلة الجهاز، عدم تعامله بشكل جيد مع كثير من المواقع الالكترونية، مما يحتم الحاجة إلى شخص مبصر لتقديم المساعدة، فضلا عن اقتصار عمله على نسخة محددة من نظام التشغيل، وعدم القدرة على تحديثه تماشياً مع التطور التقني’’.

وقال الأمير ‘’بدأ، مع مطلع القرن الجاري، انتشار البرمجيات الناطقة للعناصر المكتوبة على الشاشة بسعر يصل 700 دينار’’، منوهاً أنه ‘’نظراً لتك الأسباب مجتمعة، آثرت استخدام ذلك الجهاز، كذاكرة خاصة بمعزل عن الحاسب الآلي، بدلاً من الضياع في تعقيداته’’.
وتابع الأمير تجربته مع التقنية قائلاً ‘’خيَّرت قرينة عاهل البلاد الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة جميع الطلبة المكفوفين في جامعة البحرين بالحصول على أجهزة للقراءة يتم توصيلها بالحاسب الآلي، او حاسب آلي مشتمل على برنامج ناطق كتبرع لهم، إلا أنه من سوء حظي أني حينها كــنت خريــجاً، فتمنــيت حينها الرسوب والتأخــر فصلاً واحداً للحصول على ذلك الجهاز’’، مضــيفا أنه ‘’تمكن لاحقاً من الحصول على البرنامــج الناطــق، مـن قبل أحد المحســنين، وبدأ الاستفادة منه، بعد تركيبه على الجهاز الخاص بزوجته’’.

مُعارَضة ‘’المُعارَضة’’
وعندما انتقل الأمير للحديث عن السياسة، قال ‘’التعبير بصراحة عن الأفكار السياسية المعارضة لبعض التوجهات في المملكة، أثناء المرحلة الجامعية، كان ضريبته التشهير بي واتهامي بالجاسوسية لصالح أجهزة الدولة’’.
ورأى الأمير أن ‘’الحكومة الحالية، هي الأكثر قدرة وخبرة من جميع الجمعيات السياسية، للإمساك بزمام الإدارة في المملكة’’، مشدداً على أن ‘’ميثاق العمل الوطني، وما تلاه من إصلاحات، سبب استقرار الأمور وليست أحداث التسعينات التي مرت بها المملكة’’.
وقال ‘’هناك كثير من الأوضاع التي حاولت المعارضة، جاهدة تغييرها، إلا أنها، كانت عاجزة عن ذلك، ما لم يصدر قرار ملكي’’، معتبرا أن ‘’المملكة استطاعت، حتى الآن، تنفيذ جزء كبير من السياسة الأميركية، في إعطاء الحريات المرتكزة على (قل ما تشاء، وسأفعل ما أشاء)’’.
وناشد الأمير ‘’قوى المعارضة، إلى أن تكون، أكثر وعياً، وتعبيراً عن الحريات’’.

المنحة لا تكفي
إلى ذلك، دعا الأمير ‘’المسؤولين في المملكة، إلى اعتماد سياسات، تسهم في دعم الفئات الخاصة وتنمية دورهم في المجتمع’’، معلقاً على مكرمة رئيس الوزراء التي تقضي بمنح ذوي الاحتياجات الخاصة مبلغ 50 ديناراً بصفة شهرية بأنها ‘’لا تكفي’’، مطالبا ‘’زيادتها، نظراً لزيادة الأعباء التي يحتاجها الكفيف، كالحاجة إلى سائق مثلاً’’.
ووجه الأمير - في ختام اللقاء معه - رسالة إلى أقرانه من الفئات الخاصة، داعيا إياهم إلى ‘’ألا يصابوا بالإحراج من إعاقتهم، وأن يعيشوا واقعهم بشكل طبيعي’’


http://www.blindinstitute.org/arabic...in_a_ameer.htm