تجاوزت التسعين من عمرها وهي تنتظر نشرة الاخبار بشغف ثم تراها تشرّق وتغرّب بتحليلاتها التي غالبا ما تنتهي بها الى نتيجة مفادها أن العودة للبلد تقترب وكل الاحداث الجارية تصب بهذا المصب . ذات يوم ألحت صباحا على أبنائها أن يذهبوا بها الى البلد ..

أطنبت عليهم ورجتهم رجاءا حارا .. البلد هي بيت نبالا وهي من قرى منطقة اللد ويافا المهجرة سنة ثمان وأربعين . فهي تريد من أبنائها أن يسافروا بها من مخيم الجلزون / رام الله الى حيث مسقط رأسها وحنينها الأول وهذه الرحلة ليست سهلة هذه الأيام رغم أن المكان ليس ببعيد . ولكنهم امام اصراصرها العجيب أذعنوا لها فطلبوا سيارة وساروا بها الى حيث يأمرها قلبها .


كانت ضريرة وهم يدركون أنها لن ترى سوى السواد الذي تراه في كل مكان ولكنها أوامر القلب التي لا ترد .. لقد غابت عن شمس بلدها ما يزيد عن خمس وخمسين سنة ولكنها لم تغب لحظة واحدة عن تلك الحياة الجميلة وهي ما زالت تعيشها بكل تفاصيلها
كانت طيلة الطريق تحدث عن أحوال البلد وأخبارها وكأنها تركتها البارحة وعندما وصلت هناك نزلت من السيارة وسارت هي بهم عبر سراديب القرية القديمة .

بدل أن يكونوا دليلها كانت هي دليلهم الى أن وصلت بيتهم القديم فسجدت سجدة طويله ثم انتابتها موجة من البكاء الحار وهم يحاولون أن يهدّئوا من روعها . ثم جعلت تطوف بهم أنحاء القرية وتخبر عن أسماء الناس حيث كانوا يسكنون ثم عادت الى حضن بيتها حيث أدركهم المغيب هناك .. قالت لهم اذهبوا انتم اما انا فسأبقى هنا
قالوا : مستحيل . كيف نتركك وحدك هنا ثم هل تراهم يسمحون لك بالبقاء .. ولكنها أصرت إصرارا لم يعهدوه منها قبل ذلك وباءت كل محاولات إقناعها بالفشل .. كيف ستبقين هنا وحدك ؟ من يأتيك بالطعام ؟؟ لا أريد طعاما ولا شرابا أريد الموت هنا ؟ هذه أمنيتي دعوني وشأني .. لا أريد من الحياة الا هذا .. حاروا في أمرهم هذا حيرة غير مسبوقة ولكن سائق السيارة لجأ للحيلة فجاءهم وهو يتكلم العبرية الممزوجة بالعربية ممثلا دور رجل الاحتلال : ماذا تفعلون هنا ساقتلكم جميعا ؟؟ روح من هين ...

قالوا لها : ان لم تتحركي معنا فسنموت جميعا . ما رايك ؟ هل تحملين وزرنا ووزر أطفالنا الذين تركناهم خلفنا .. عندئذ استجابت لهم وغادرت المكان مع مئات الحوقلات التي تخرج من أعماق صدرها .. أيام معدودات فصلت زيارة الوداع هذه ومنيتها التي كانت بانتظارها .
هذه قصة حقيقية : بكل هدوء جيل النكبة يترجل منكوبا ومحترقا من الداخل فهل هناك احتمالا ولو واحد بالمئة ان تنسى الأجيال القادمة هذه النكبة ؟؟؟






المصدر

http://www.adabmaqdes.net/atemplate.php?id=44&x=3