الإمام / عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله





قبل أن نستعرض شيء من سيرة هذا العَلم ، اعرض عليكم ما قاله الشيخ أحمد ياسين رحمه الله قائد المجاهدين في أرض المرابطين عن الإمام ( وهناك أمر جميل في هذا ؟! ) يقول الشيخ الشهيد :-


إن العلامة ابن باز – رحمه الله – هو فقيد العالم الإسلامي كافة ، له موافقة الجهادية في ميادين العلم والدعوة الإسلامية الحقة ، والوقوف موقف المدافع القوي عن الإسلام والمسلمين في كافة المواقع التي شغلها ، حيث سخرها لخدمة الإسلام والعقيدة الإسلامية ، وبهذا الصدد له موقف ثابت في الحفاظ على الكتاب والسنة والدفاع عن العقيدة الإسلامية لتبقى نقية أصيلة بعيدة عن محاولات التشويه.
كان لقائي معه في موسم الحج من العام المنصرم 1419هـ / 1998م في أرض الحجاز ،حيث كان – رحمه الله – ترحيبه بنا حاراً ، وحديثنا معه مشرقاً ، حيث تحدثنا في أمور كثيرة ، وكان محور حديثه متوجه حول الحفاظ على وحده الشعب الفلسطيني والوحدة الوطنية وتفويت الفرصة على المتربصين لوحدة شعبنا الفلسطيني والمتآمرين على قضيته محذراً من التفسخ والانقسام ، مذكراً بالهدف الواحد القائم على أساس إعلاء كلمة الحق وكلمة الدين .
وقد كان اعتبار أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي ، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التنازل عنها ، أو التفريط بها ، وكان – رحمه الله – دائم الدعوة لمسلمي العالم أجمع للجهاد في سبيل الله لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي ومحاربة الصهيونية أينما حلت ووجدت .



قد تتساءلون .. ما الجميل هنا ؟ بالتأكيد ستجدون من كتبَ وخطَّ وعبرَ بشكل أفضل من ذلك عن هذا الإمام ولكنـ ....



كم هو جميل أن يجتاحك هذا الشعور .. عندما تذكر بخير على الألسن.... أنت أيها المعاق تستطيع فعل ذلك فقط > ضع هدفك نصب عينيك ولا تلتفت خلفكـ ... أما أنت أيها المتكامل الحواس .. سمعك وبصرك وحركتك وتذوقك وعقلك فلا عذر لك ... فإن لم تكن علما بارزا .... فكن عبدا لله شاكرا ... ولا تستخدم النعم التي انعم الله عليك بسوء .....




الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله




اسمه ونسبه :
هو الإمام الصالح الورع الزاهد أحد الثلة المتقدمين بالعلم الشرعي، ومرجع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في الفتوى والعلم، وبقية السلف الصالح في لزوم الحق والهدي المستقيم، واتباع السنة الغراء: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز.

مولده :
ولد في الرياض عاصمة نجد يوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة عام ألف وثلاثمائة وثلاثين من الهجرة النبوية، وترعرع فيها وشب وكبر.

نشأته :
نشأ سماحة الشيخ عبد العزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها، وحضاراتها المزيفة، إذ الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى فيها كبار العلماء، وأئمة الدين، وفي بيئة غلب عليها الأمن والاستقرار وراحة البال.
بدأ الشيخ دراسته فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، فوعاه وحفظه تمام الحفظ، وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان، ثم بعد حفظه لكتاب الله، ابتدأ سماحته في طلب العلم على يد العلماء بجد وجلد وطول نفس وصبر.


مرضه : ( كيفية الاستفادة من الإعاقة من عامل سلبي إلى دافع إيجابي ) ..

لقد كان سماحة الشيخ / عبد العزيز - حفظه الله - مبصرا في أول حياته، وشاء الله لحكمة بالغة أرادها أن يضعف بصره في عام 1346 هـ إثر مرض أصيب به في عينيه ثم ذهب جميع بصره في عام 1350 هـ، وعمره قريب من العشرين عاما؛ ولكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم، أو يقلل من همته وعزيمته بل استمر في طلب العلم جادا مجدا في ذلك، ملازما لصفوة فاضلة من العلماء الربانيين، والفقهاء الصالحين، فاستفاد منهم أشد الاستفادة، وأثّروا عليه في بداية حياته العلمية، بالرأي السديد، والعلم النافع، والحرص على معالي الأمور، والنشأة الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والتربية الحميدة، مما كان له أعظم الأثر، وأكبر النفع في استمراره. على تلك النشأة الصالحة، التي تغمرها العاطفة الدينية الجياشة، وتوثق عراها حسن المعتقد، وسلامة الفطرة، وحسن الخلق، والبعد عن سيئ العقائد والأخلاق المرذولة ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبد العزيز - حفظه الله- قد استفاد من فقده لبصره فوائد عدة نذكر على سبيل المثال منها لا الحصر أربعة أمور: -

الأمر الأول : حسن الثواب، وعظيم الأجر من الله سبحانه وتعالى، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه في حديث قدسي أن الله تعالى يقول: إذا ابتليت عبدي بفقد حبيبتيه عوضتهما الجنة البخاري ( 5653 ).

الأمر الثاني : قوة الذاكرة، والذكاء المفرط: فالشيخ - رعاه الله - حافظ العصر في علم الحديث فإذا سألته عن حديث من الكتب الستة، أو غيرها كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى تجده في غالب أمره مستحضرا للحديث سندا ومتنا، ومن تكلم فيه، ورجاله وشرحه.

الأمر الثالث: إغفال مباهج الحياة، وفتنة الدنيا وزينتها، فالشيخ - أعانه الله - متزهد فيها أشد الزهد، وتورع عنها، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة، وإلى التواضع والتذلل لله سبحانه وتعالى.

الأمر الرابع: استفاد من مركب النقص بالعينين، إذ ألح على نفسه وحطمها بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار، المشار إليهم بسعة العلم، وإدراك الفهم، وقوة الاستدلال وقد أبدله الله عن نور عينيه نورا في القلب، وحبا للعلم، وسلوكا للسنة، وسيرا على المحجة، وذكاء في الفؤاد.


أخلاقه وصفاته وما يتميز به :
مما تميّز به سماحته - حفظه الله - قوة الحافظة، وسرعة البديهة، واستحضار مسائل العلم بفهم واسع، ووفرة في العلم، وشدة في الذكاء، وغزارة في المادة العلمية، فهو - رعاه الله - صاحب ألمعية نادرة، ونجابة ظاهرة.
وإن نعمة الحفظ، وقوة الذاكرة، هما من الأسباب القوية - بعد توفيق الله عز وجل - على تمكنه من طلبه للعلم، وازدياد ثروته العلمية، المبنية على محفوظاته التي وعتها ذاكرته في مراحل التعلم والتعليم، وقد حباه الله من الذكاء وقوة الحفظ وسرعة الفهم، مما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيرة.
ومما يؤكد على ذلك أنه لربما سُئِلَ عن أحاديث منتقدة في الكتب الستة وغيرها من كتب السنة فيجيب عليها مع تخريجها والتكلم على أسانيدها ورجالها، وذكر أقوال أهل العلم فيها، وهو ممَّن منَّ الله عليه بحفظ الصحيحين واستحضارهما، ولا يكاد يفوته من متونهما شيء؛ إلا اللهم أنه سُئِلَ مرة ونحن على طعام الغداء عنده، فقال السائل: هل تحفظ الصحيحين فأجاب قائلا - نعم ولله الحمد والمنة - إلا أن صحيح مسلم يحتاج إلى نظر وتربيط.
ومما يؤكد ويبرهن على قوة حافظته وحضور بديهته، أنه في كلماته ومحاضراته ومواعظه تجده كثير الاستدلال بالنصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال أهل العلم الشرعية، يأتي عليها بسياقها ولفظها وتمامها، وهكذا في اجتماعات هيئة كبار العلماء، تجده يذكر المسألة وأقوال أهل العلم فيها مبينا الجزء والصفحة والكتاب المنقول عنه القول.

مما تميز به سماحته - حفظه الله - الهيبة، وقد حدثني غير واحد من كبار العلماء الفضلاء وطلبة العلم أن للشيخ هيبة فيها عزة العلماء مع عظيم مكانتهم وكبير منزلتهم، وهذه الهيبة قذفها الله في قلوب الناس، وهي تنم عن محبة وإجلال وتقدير له، لا من خوف وهلع وجبن معه، بل إن الشيخ - حفظه الله ورعاه - قد فرض احترامه على الناس، بجميل شمائله وكريم أخلاقه، مما جعلهم يهابونه حياء منه، ويقدرونه في أنفسهم أشد التقدير.
ومما زاد هيبته أنه ابتعد عن ساقط القول، ومرذول اللفظ، وما يخدش الحياء أشد الابتعاد، فلا تكاد تجد في مجلسه شيئا من الضحك إلا نادرا ولماما، بل تجد مجالسه عامرة بذكر الله، والتفكر والتأمل في الدار الآخرة.
ومع هذه المكانة العظيمة، والمنزلة السامية، والهيبة، فإنه آية في التواضع، وحسن المعاشرة، وعلو الهمة، وصدق العزيمة، مع عزة في النفس، وإباء في الطبع، بعيدا كل البعد عن الصلف والتكلف المذموم.


مؤلفاته :
لقد أثرى الشيخ - حفظه الله - المكتبة الإسلامية بمؤلفات عديدة، قيمة في بابها، واضحة العبارات رصينة في أسلوبها، تطرق فيها إلى جوانب من العلوم الشرعية، والقضايا الاجتماعية والواقعية، وذلك من أجل إبراء الذمة، ونصح الأمة، وبيان الحق لها، وتحذيرها من الباطل والضلال وأسبابهما، وكتب سماحته ومؤلفاته زاخرة بالعلم الشرعي، من الأدلة الواضحة من كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوال الأئمة المرضيين من السلف الصالحين، ومن سار على نهجهم من أئمة الدين، فنجد من سماحته - رعاه الله - أنه قد كتب في العقيدة الإسلامية بأنواعها وأقسامها المختلفة، ونبه إلى البدع والمنكرات، وألف في الفقه وأصوله وقواعده، وفي العبادات والمعاملات والبيوع المحرمة، وكتب في الحديث وأصوله ومصطلحاته، وفي الأذكار وفوائدها .
وفي التراجم، وعن المرأة المسلمة ودورها في بناء المجتمع، وإنقاذها من براثن الكفر والشبه الضالة، وفي التشريع والجهاد في سبيل الله، وفي فضل الدعوة إلى الله، ومسئولية الشباب المسلم، وفي الحض على الزواج المبكر، كما أنه كتب كتبا تدفع المطاعن والشبهات في الدين، وكتب في الغزو الفكري، والقومية العربية، والحداثة الشعرية . فهذه الكتب المتنوعة يجمعها صدق النصيحة، مع صدق العبارة، مع الأسلوب الواضح المفهوم لخاصة الناس وعامتهم، فنفع الله بهذه المؤلفات نفعا عظيما، حتى أن كثيرا منها قد ترجم لعدة لغات ؛ لكي يستفاد منه أشد الاستفادة.



وهكذا - يهيئ الله لمن أخلص نيته، وأحسن قصده، القبول في جميع الأرض، وعند جميع طبقات العالم الإسلامي