أصبح أمر مألوف أن تجد مئات الشباب الفلسطيني في شوارع قطاع غزة يكمل حياته على كرسي متحرك، لكن القليل منهم إستطاع الحصول على كرسي كهربائي يتنقل من خلاله دون معاناة، فعلى الرغم من قسوة الحياة في غزة، إلا أن إرادة البقاء عند هؤلاء الشباب تغلب الحصار الجائر الذي تفرضه إسرائيل علي الفلسطينيين هناك.

محمد كمال الهندي أصبح في غضون ثوانٍ مقعد وهو في عمر الزهور، كان حينها لا يبلغ الـ 10 أعوام عندما باغتته رصاصة من جندي إسرائيلي يتمركز داخل احد الأبراج العسكرية التي تحرس المستوطنات الإسرائيلي التي كانت مقامة فوق أراضي المواطنين غرب مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة.. وصلت تلك الرصاصة إلى الحبل الشوكي، وأقعدته مدى الحياة، فلجأ إلى جمعية فلسطينية، زودته الأخيرة بكرسي كهربائي متحرك ليكمل مشوار حياته برفقته.
ويبدو أن هذا الطفل الذي يبلغ الآن 13 عاماً تغلب على إعاقته الدائمة من خلال بعزيمة الطفل البريء الذي أفاق بحالته تلك.. يبكي الجميع حينما يراه المجتمع الغزّي.. فهو جميل حد حب الناس إليه، وبراءة الأطفال لا تزال تستصرخ ضمائر العالم، وكأنها تقول بأي ذنب أصبحت مقعد..!؟
الطفل محمد إن كان لا زال طفلاً يلهو بكرسيه هنا أو هناك، فإن الكثيرين ممكن حصلوا على تلك الكراسي إستخدموه في أعمال طبيعية يستطيع المعاق من خلاله أن يعتمد على نفسه ولو بأقل الأرباح، إلا أن الحاجز النفسي قد كسره، ليغير نظرة المجتمع تجاهه. فمصطفى عبد الهادي "20 عاماً" والذي يسكن بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، بترت ساقيه في قصف صاروخي في خلال اجتياح إسرائيل لشمالي قطاع غزة، فقتلت حينها أكثر من 128 مواطناً وأصابت مئات آخرين، فيما وصفها الفلسطينيون بـ "المحرقة".
ويوجد في فلسطين أكثر من 120 ألف معاق، بحسب منظمة "معاقون بلا حدود"، ومتوسط عدد أفراد الأسرة ما بين 5,5 و6، ويعني ذلك أن هناك أكثر من 700 ألف متضرر بشكل مباشر من موضوع الإعاقة، بسبب تراجع وضعها الاقتصادي والاجتماعي، كما أن الإعاقة أحد مسببات الفقر وذلك يرجع للاحتياجات الكثيرة للمعاقين، ويعني ذلك أن أكثر من ربع السكان الفلسطينيين متضررين بشكل مباشر، والمعاقون هم الشريحة الأفقر في المجتمع الفلسطيني والمجتمعات الأخرى.
مصطفى تجاوز أزمته وعاد إلى مقاعد دراسته في أحد جامعات مدينة غزة. يقول رغم تعاطف الناس لذوي الإحتياجات الخاصة، إلا أنني ارفض هذا المبدأ، فنحن شباب ولا زلنا بكامل قوتنا وحيوتنا، ويجب أن نكافح ونجتهد حتى لا نكون عبءً على المجتمع الفلسطيني"، متسائلاً ألا يكفيه المجتمع الفلسطيني ما هو فيه من إنقسام داخلي وإقتتال وتعذيب من الأخ لأخيه، ناهيك عن الإحتلال الإسرائيلي، لنضيف على كاهله نحن شريحة المعاقين هماً فوق همومه!؟.
ويرى هذا الشاب أن توفير كراسي متحركة، تساعد بدرجة كبيرة الشباب المقعد، وهو ما يتوافق مع ما قاله الدكتور رمضان طنبورة مدير جمعية الفلاح الخيرية التي ساهمت بعشرات الكراسي الكهربائية المتحركة، منوهاً إلى أن دولا عربية متعددة وجاليات مسلمة تعيش في أوروبا، تدرك مدى أهمية تلك الكراسي للمعاق، ولهذا تحاول إرسال أعداد تساهم في رفع معاناة الشباب الفلسطيني.
يقول الدكتور طنبورة، هناك كشف بمئات الشباب في قطاع غزة ينتظرون دورهم في الحصول على الكراسي، ويؤكد أن سعرها الذي يبلغ نحو 4000 دولار، يعتبر غالي التكلفة بالنسبة للوضع المعيشي هنا في غزة، في ظل الفقر المدقع والحصار الإسرائيلي المشدد على قطاع غزة تحديداً وعلى الأراضي الفلسطينية بشكل عام.
وصنعت إسرائيل قنابل جربتها على الفلسطينيين في الأعوام الأخيرة، قادرة على بتر أطراف الشخص المستهدف، مما زاد عدد المعاقين الفلسطينيين، فضلاً عن قيام حركة حماس ببتر وسل أقدام أكثر من 600 شاب فلسطيني في قطاع غزة ينتمون لحركة فتح، من خلال إطلاق زخات من الرصاص على أقدامهم.
وتعاني السلطة الفلسطينية جراء الحصار الدولي المفروض عليها، وتجميد أموالها المستحقة من الضرائب لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتسبب لها ضائقة مالية لا تستطيع بسببها الوفاء بالكثير من إلتزاماتها تجاه السكان الفلسطينيين. وجراء ذلك ما يزال المعاقون الفلسطينيون يعانون نقصاً شديداً وتدهوراً خطيراً في مستوى التمتع بحقوقهم التي يوفرها لهم قانون حقوق المعاق الفلسطيني رقم 4 للعام 1999. وما يزال المعاقون يعانون من غياب تطبيق نصوص القانون، والذي يمنحهم حقوقهم في مجال الخدمات الصحية وخدمات التأهيل والرعاية والتعليم والتشغيل، فضلاً عن حقوقهم في مجال الترفيه والرياضة والمشاركة في الحياة الثقافية للمجتمع.
وأشار مؤسس "معاقون بلا حدود" في فلسطين المحامي محمد بركات، إلى أن المتضررين من الإعاقة ليس المعاق فحسب بل وأسرته أيضاً، وتطرق بركات إلى إحصائية وزارة الشؤون الاجتماعية في عام 2005 التي تشير إلى أن عدد المعاقين في فلسطين هو 120 ألف معاق ومعاقة. وأكد "هذا الرقم غير دقيق لأن الإعاقات أكثر من ذلك وهناك العشرات من الإعاقات التي يسببها الاحتلال يوميا في صفوف أبناء شعبنا، كما أن الناس تخفي الحقيقة وترفض الإعلان عن الإعاقات لأسباب اجتماعية بإعتبارها عائقا أمام الزواج.
وأوضح المحامي بركات أن واقع المعاق الفلسطيني مأساوي والغالبية العظمى منهم تشعر باليأس وفقدان الأمل بالحياة، حيث يعيش المعاق مهمشاً في فقر متقع وهذا يؤدي إلى خلل مجتمعي، لأن شريحة المعاقين تشعر أنها من عالم آخر وليس من حقها البقاء والعيش ضمن أفراد المجتمع.
إياد عبد الغفار "23 عاماً" من سكان مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، بترت قدمه اليسرى من خلال شظايا صاروخ إسرائيلي كان قد أطلق على مجموعة من الفلسطينيين، إستطاع أن يتغلب على وضعه في العمل من خلال بيع كروت جوالات وساعات يدوية في ميدان فلسطين للسيارات وسط مدينة غزة. يقول إياد إنه سعيد جدا، فهو يدرك أن الناس تتعاطف معه بالدرجة الأولى وتشتري منه بضاعته، إلا أن ذلك يوفر له مالاً يستطيع العيش من خلاله.





http://www.elaph.com/ElaphWeb/Health/2008/5/332015.htm