عميد الأدب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس

العبقري الضرير!

رشيد فيلالي

عندما كان يحل زائرا في عاصمة من العواصم الكبرى مثل باريس ونيويورك وبرلين... كان الصحافيون يصطفون في طوابير طويلة، ينتظرون دورهم كي يظفروا بحوار معه، ويا حظ الذي ينال هذا الشرف العظيم، إذ يقفل عائدا إلى مقر مطبوعته، شادا على كلمات بورخيس وكأنها كنز أسطوري! هو الأديب الأرجنتيني الكبير كان من عمق الذاكرة يلملم أناشيده الجميلة، سيما بعدما أصيب بالعمى وهو في عز عطائه الأدبي عام 1955 شأنه في ذلك شأن أبيه وجده، وكذا العديد من حراس الكلمة العارفة أمثال: هوميروس.. ميلتون.. جويس.. سارتر.. طه حسين... ولد خورخي لويس بورخيس بعاصمة الأرجنتين بيونس آيريس (الهواء الطيب) في 19 1899 أغسطس ونشأ في حضن أسرة ثرية ومثقفة، وقد كانت -على رأيه- مكتبة العائلة هي مدرسته الأولى، حيث كان يلتهم محتوياتها من الكتب الإنجليزية التهاما لا يعرف الارتواء، وحين بلغ 15 من عمره أرسله والداه إلى جنيف ليواصل بعدئذ دراسته هناك متحصلا على شهادة البكالوريا، ولما عاد إلى وطنه سنة 1921 انضم إلى حركة أدبية طلائعية تدعى (ultaiste) بعدها أصبح مدير المكتبة الوطنية لبيونس آيريس، ولم يتخل عن هذا المنصب إلا بعد أن ضعف بصره حتى حدود العمى شبه الكامل..

وعلى عكس ما كان يتوقع منه الجميع، فقد انطلق في سفر مكوكي عبر العالم رفقة والدته رفيقة دربه، حيث قدم عددا من المحاضرات الجامعية في أميركا وأوروبا. من مؤلفاته نذكر: «الألف» 1949 «الوردة العميقة» 1983 «كتاب الرمل» 1978 «محاضرات» 1985 «تسع دراسات حول دانتي» 1987.. وجدير بالذكر أن بورخيس يعتبر من الأعضاء المؤسسين للمجلة الأرجنتينية المعروفة SUR (الجنوب).

لقد اعتقد مريدوه وتلامذته عن إيمان راسخ، نتيجة لتأثرهم الشديد بشخصيته الفذة أنه عاش حيوات عديدة سابقة، لكن يبقى ذلك مجرد وهم جميل وفرضية محضة، المهم أن الرجل عاش يوم مولده المذكور أعلاه إلى سنة 1986 حيث أنجز ضمن هذا العمر الطويل أعمالا أدبية هامة، لم تقتصر في الواقع على جنس فني واحد، بل تنوعت بين الرواية..
الشعر.. والدراسة النقدية.. والحق أن بورخيس عبر لعبة المرايا الغرائبية والسفر داخل متاهات الخيال، نجد أعماله تلك التي سقنا البعض من عناوينها تمسح بأدائية عالية كل حقول الفكر البشري، وتكشف في الوقت ذاته عن تبحره المعرفي المعجز، إذ نجده يتنقل في كتاباته بسهولة هادئة ومذهلة، ذاهبا من الحديث عن علم الحيوان لدى الصينيين القدماء، إلى علم اللاهوت إبان القرون الوسطى، مرورا باستعراض دقيق لقواعد اللغات الإسكندنافية أو عالم الخيال العلمي، وخلال ذلك يستشهد بصفحات كاملة لشكسبير أو أرسطو، شوبنهور أو فرلين، كافكا أو مالفيل.. يحدث هذا وهو يعاني من كونه ضريرا في منتصف العمر، ولم يحل ذلك في الحقيقة دون كتابته -عن طريق الإملاء طبعا- والقراءة بواسطة الإصغاء إلى والدته أو أحد أقاربه عندما يسرد عليه نصا يختاره هو نفسه.. علاوة على ذلك، تم اختياره لإدارة المكتبة الوطنية الأرجنتينية.

ويشهد كل الذين احتكوا ببورخيس على أنه يحبذ كثيرا المناقشة وتبادل وجهات النظر، وكان بمجرد أن يفتح فمه يشد إليه أسماع الحضور بقوة طاغية كما يبهرك بطريقته الطريفة في التجوال عبر الأركان الداخلية للمكتبة الوطنية، طالبا من المرافق له أن يصف له فقط الغرفة التي هو بداخلها أو لون الأريكة وشكل الطاولة.. إلخ لم يعرف عن بورخيس أنه يميل في حياته إلى التذمر والشكوى، حتى وهو في أحلك الظروف وأصعبها، وعن هذا قال: «إن إصابتي بالعمى تطورت مثل لحظة غروب صيفي طويل وبطيء.. وليس في هذا أي شيء مرضي أو درامي خاص» أضف لذلك أنه لم يحاول أبداً أن يستفيد من وضعيته غير العادية، فتواضعه من دون افتعال وثقافته الواسعة، منعاه من أن يعتبر نفسه مؤلفا كبيرا، فهو عاشق الكتب بالمفهوم المقدس للكلمة، يعرف الكثير من عوالمها إلى الحد الذي يقدر فيه بحكمة نسبية ما أضافه قلمه من قطرات في بحر الأدب الهائل الكبير، لقد وصف نفسه بأنه نشر الكثير (حوالي 40 كتابا) وأنه لم يستغن عن العديد من الصفحات النافلة مبقيا على الأهم منها.. أليس هذا نموذجا نادرا عن تواضع العظماء جدير بالاعتراف والاحتذاء؟ وهاهو في إحدى الأمسيات يقول بشيء لا يخلو من حسه التهكمي المعتاد «وماذا لو كنا مجرد وهم؟!».

إن كون واحد من أشهر مشاهير كتاب القرن الـ 20 ضريرا، يظل ذلك رمزا ساميا بكل المقاييس، فانطلاقا من هذه الحالة المتفردة علينا أن نتمسك على الأقل بدلالة مهمة لنا جميعا هي: «أن الكتابة وليدة الخيال، لكن علينا في الوقت نفسه ألا ننسى أن هذا النشاط الفكري له جانب متمم يتمثل في الواقع اليومي»، وأن غالبية الناس يقول بورخيس «يفصلون الحياة إلى جزئين: من جهة الأشياء الواقعية، ومن الجهة الأخرى الحلم والخيال، من جهة الرحلات ومن الجهة الأخرى الأدب.. أنا لست موافقا على ذلك».

وفي موضع آخر يضيف بورخيس بالقول: «عندما كنت شابا كنت ككل الشباب تستهويني الكتابات المعقدة، أما الآن عند الكبر فأنا أميل نحو البساطة اللماحة، مستعينا بالمجازات الأكثر استعمالا، وفي تصوري أن هذا الاختيار أساس كل ما هو أبدي في الكتابة، ثم إن الأمور نسبية في النهاية، ففكتور هوغو الذي يعد من الشعراء ذوي اللغة الفخمة المقعرة، لا يستخدم في واقع الأمر سوى مفردات بسيطة جدا مثل: المحيط.. الضوء.. واسع.. أرض.. أسود.. إلخ. على كلٍّ يضيف بورخيس: أنا شعري تأملي ملحمي وتنذري، وما يؤسفني فيه أنه قليل الموسيقى! هذا مع كوني لا أميل كثيرا للقصائد المفكرة.. بالنسبة لقصصي فهي مع مرور الوقت تزداد كثافة وقصرا، ربما لأنني أملي نصي على والدتي التي تملك ذوقا أدبيا جيدا أو سكرتيرات المكتبة الوطنية الطائعات، وليست لي القدرة على مراجعة مسودتي على نحو دقيق.. أحيانا أحتفظ بما أكتب في ذاكرتي يوما كاملا ثم أمليه في اليوم الموالي.. إن الذاكرة تتحسن عندما نفقد البصر حتى إن الزمن يمر بشكل مغاير.. أنا الآن لا أقرأ كثيرا وقد قال شوبنهور مرة: ينبغي ألا يقرأ من يبلغ سن الـ 50 أو الـ 60 عاما!

وبرأيي أن قراءة من جديد الكتب الخالدة.. الكتب المقدسة.. دون كيخوتي.. ألف ليلة وليلة.. أكثر فائدة ومتعة وإثراء للمخيلة، ولعل امتياز القرون الوسطى هو وجود عدد محدود من الكتب، الشيء الذي يدفع إلى قراءتها عدة مرات، وبالتالي اكتشاف أبعادها الخفية التي قد تمتد خلف الكلمات إلى ما لا نهاية، وفي اعتقادي أن الكاتب الذي يعي تماما ما يحتويه نصه هو كاتب فاشل لا يساوي شيئا! إن الكتابة الإبداعية ليست ذكية فهي لحظة ميلاد تشبه الحلم»..

هذا هو بورخيس بقلب طفل يحاول أن يحرس جذوة الدهشة وغبار الأحلام الذهبية، ثم يستبسل في أن يظل كذلك كي لا يدخل عالم الكبار الذي يكرهه، لأنه عالم الأوجاع والأفراح الرخيصة والمزيفة.. ترى هل وفق في مسعاه.. قد يكون هذا السؤال مجرد تحصيل حاصل!


http://www.alarab.com.qa/details.php...o=538&secId=18