بسم الله الرحمن الرحيم


اللفيف في ذكر ما قد يحتاجه الكفيف (1)


( نعم الله لا تعد ولا تحصى )

الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيد البريات، ختم الله به الرسالات، هدى من الجهالات، وأخرج به من الظلمات، صلى الله عليه وسلم ما ذكره الذاكرون والذاكرات، وغفل عنه أهل الضلالات، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمكرمات ... أما بعد
فإن نعم الله كثيرة، وآلاؤه عظيمة وجسيمة، لا يمكن عدها، ولا يستطاع حدها، قال الله تعالى في موضعين من كتابه العزيز :((bÎ)ur(#rãès?|MyJ÷èÏR«!$#Ÿw!$ydqÝÁøtéB))، ومن أبرز نعم الله نعمة الحواس الخمس : السمع والبصر واللمس والشم والذوق.
قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – في مفتاح دار السعادة 2/203 : وانظر إلى الحواس التي منها تشرف على الأشياء، كيف جعلها الله في الرأس كالمصابيح فوق المنارة؛ لتتمكن بها من مطالعة الأشياء ... فالرأس صومعة الحواس.
ثم تأمل الحكمة في أن جعل الحواس خمساً في مقابلة المحسوسات الخمس ليلقى خمساً بخمس كي لا يبقى شيء من المحسوسات لا يناله بحاسة، فجعل البصر في مقالة المبصرات، والسمع في مقابلة الأصوات، والشم في مقابلة أنواع الروائح المختلفات،والذوق في مقابلة الكيفيات المذوقات، واللمس في مقابلة الملموسات، فأي محسوس بقي بلا حاسة ؟ ولو كان في المحسوسات شيء غير هذه لأعطاك له حاسة سادسة، ولما كان ما عداها إنما يدرك بالباطن أعطاك الحواس الباطنة؛ وهي هذه الأخماس التي جرت عليها ألسنة العامة والخاصة، حيث يقولون للمفكر المتأمل : ضرب أخماسه في أسداسه، فأخماسه حواسه، وأسداسه جهاته الست، وأرادوا بذلك أنه جذبه القلب وسار به في الأقطار والجهات حتى قلّب حواسه الخمس في جهاته الست، وضربها فيها لشدة فكره . اهـ.
ثم من أعظم هذه الحواس نعمة ومنة : السمع والبصر، ومن فقدهما أو أحدهما عرف منزلتهما، قال المتنبي :
.....................................

وبضدها تتبين الأشياء


وقال ابن القيم أيضاً في مفتاح دار السعادة 2/206 :
ثم تأمل حال من عدم البصر وما يناله من الخلل في أموره، فإنه لا يعرف موضع قدمه، ولا يبصر ما بين يديه، ولا يفرق بين الألوان والمناظر الحسنة من القبيحة، ولا يتمكن من استفادة علمٍ من كتابٍ يقرأه، ولا يتهيأ له الاعتبار والنظر في عجائب ملك الله، هذا مع أنه لا يشعر بكثير من مصالحه ومضاره، فلا يشعر بحفرة يهوي فيها، ولا بحيوان يقصده كالسبع فتحرز منه، ولا بعدو يهوي نحوه ليقتله، ولا يتمكن من هرب إن طلب بل هو مُلْقٍ السلم لمن رامه بأذى، ولولا حفظٌ خاص من الله له قريب من حفظ الوليد وكلاءته لكان عطبه أقرب من سلامته، فإنه بمنزلة لحمٍ على وضمٍ، ولذلك جعل الله ثوابه إذا صبر واحتسب الجنة.
ومن كمال لطفه أن عكس نور بصره إلى بصيرته فهو أقوى الناس بصيرةً وحدساً، وجمع عليه همه، فقلبه مجموع عليه غير مشتت؛ ليهنأ له العيش، وتتم مصلحته، ولا يظن أنه مغموم حزينٍ متأسف ...
قال : وكذلك من عدم السمع، فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويَعْدم لذة المذاكرة، ونغمة الأصوات الشجية، وتعظم المؤنة على الناس في خطابه، ويتبرمون به، ولا يسمع شيئاً من أخبار الناس وأحاديثهم، فهو بينهم شاهد كغائب، وحيّ كميت، وقريب كبعيد ...
ثم قال : وقد اختلف النظار في أيهما أقرب إلى الكمال وأقل اختلالاً لأموره : الضرير أو الأطرش ؟
... قال والذي يليق بهذا الموضع أن يقال :
عادم البصر أشدهما ضرراً، وأسلمهما ديناً، وأحمدهما عاقبة، وعادم السمع أقلهما ضرراً في دنياه، وأجلهما بدينه، وأسوأ عاقبة ... فضرره في دينه أكثر، وضرر الأعمى في دنياه أكثر.
ولهذا لم يكن في الصحابة أطرش، وكان فيهم جماعة أضراء ...
قال : هذا فصل الخطاب في هذه المسألة، فمضرة الطرش في الدين، ومضرة العمى في الدنيا، والمعافى من عافاه الله ومتعه الله بسمعه وبصره وجعلهما الوارثين منه.
أقول : وابن قيم الجوزية هنا يشير إلى أن الصابر والمحتسب على البلوى، ومنها فقد البصر تكون له العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.
وقد وردت أحاديث متعددة في فضل فاقد البصر لكن لمن صبر واحتسب، تُذكر في مقالة أخرى إن شاء الله تعالى.
كتبه / الشريف أبو معاذ موسى بن يحيى الفيفي
ثانوية الفتح / المدينة 29/11/1430هـ