لقد أصبحت السنين منذ عصور مضت, تتخذ آمالنا الهشة, وأحلامنا التائهة في ظلمة خيال مجهول الهوية, كورقة يانصيب أو ورقة الحظ, تتلاعب بنا عبر أيام ملونة بكذبة تقول: غداً أفضل, ألفان وتسعة, في آخر هذا الرقم اليانصيب, عيداً تتلاها فيه البشر عما كانت تلك السنة قد أعدته من مفاجءات ومفاجعات, فيها وفي السنة القادمة, ورقة يانصيب, ألفان وعشرة, الجائزة الكبرى هي الرابحة أسرعوا أسرعوا.
آن الأوان لعقولنا المريضة أَن تفيق لتلك الخدعة الرقمية من سنين تجد ملذةً خالصةً في الضحك على تلك العقول. هناك حقيقةً واحدةً قد نجت من نزوات السنين الخبيثة, حقيقة يوم مشرق, نجا بإشراقه من ظلمة الأيام, وخدعة الأرقام, يومٌ, أحبته القناديل فأضاءت له ومن أجله, كيف لا وهو قد خصص نفسه لتلك القناديل! كَمَا تخصص الأم عمرها في خدمة حياة غيرها بالدرجة الأولا, بدأت حقيقة هذا اليوم تنير ظلمة السنين, وتبيد خدعتها بأرقامها الألفية, حتى صارت شجرة عيد مقدس, قداسة الأرواح لا قداسة الأجساد, هاهي الأيام قد فرحت بظهور يوم تضاء فيه قناديل لليالٍ معتمة,. ليست كغيرها من القناديل تطفئها نسمات غاضبة من أعاصير اتخذت الاستفزاز حرفتها الأبدية, ولا تضيء من نار, تكاد تحترق بها يد طفل عابث يلهو, قناديل هذا اليوم ضوءها من نور الملائكة, ووقودها من عطاء أبدي, ومشكاتها حنان لا ينضب, إذاً حق لنا أَن نقدم لها القرابين, ماذا عسانا أَن نقدم في يوم القناديل إلى القناديل!, يليق بتلك القناديل أثمن ما وجد فوق الأرض وباطنها, ذهباً خالصاً كأرواحها, ياللحماقة, كيف لنا أَن نقدم ذهباً والأرض اتخذت ما فيها من ذهب من روحها؟ إذاً باقة ورد تمثل أروع ما فيها من رقة عظيمة وعبق إحساسها الفواح, لأجد حدائق السماوات والأرض قد أمطرت على رأسي وابلاً من التأنيب مفاده, أَن ما بتلك الحدائق من ورود عطرة, قد أخذت من جنة الأم وحدها لا من جنان الطبيعة. ليس كذلك فحسب, بل حق لتلك الأم أَن تدوس جنتها بقدميها, وتلك مرتبة لا تحظى بها إِلا قدمان شريفتان, حق لها أَن تطأ حتى الرؤوس. أيتها القناديل, كل واحدة منكن أماً, منذ أَن رأت عيناها الجميلتان النور, لستن مضطرات لتقييد أنفسكن بالإنجاب, فيكفيكن فخراً أنكن أتن القناديل, وليست كأي قناديل, أتن قناديل تضيء لتعطي أطفالاً وكبراً, لا تضيء لتحرق الأيدي المتطفلة. لم تكن السماء سعيدةً كسعادتها وهي ترى يوماً ولد من مجراتها فقط للقناديل, فحتى السماء والكون انبسطت أساريرها, وبثت لنا رائحة المطر المنبعثة من أروع زهرات الحب الخالد, فلندع القناديل تضيء في يومها, ولتنحني قلوبنا إجلالاً لقداسة يوم القناديل.