نسبه و مولده:-

هو عبد الله بن أم مكتوم مكي قرشي تربطه بالرسول عليه الصلاة و السلام رحم ؛ فقد كان ابن خال أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها. أما أبوه فهو قيس بن زائد ، و أمه فعاتكة بنت عبد الله ، و قد كنيت {بأم مكتوم } بعد أن ولدت هذا الصحابي ؛ لأنه ولد أعمى مكتوما .

الصفة التي تميز بها:-

عبد الله بن أم مكتوم كان من السابقين إلى الإسلام ، و عاش محنة المسلمين بمكة بكل ما حفلت به من تضحية و ثبات و صمود و فداء. و عاين من أذى قريش ما عاناه أصحابه ، و بلا من بطشهم و قسوتهم ما بلوه ؛ فما لانت له قناة ، و إنما زاده ذلك استمساكا بدين الله ، و تعلقا بكتاب الله و تفقها في شرع الله ، و إقبالا على رسول الله صلوات الله و سلامه عليه . جاهد في سبيل الله، و تولى العديد من المناصب؛ و بالتالي فهو يتميز بصفات كثيرة يعجز القلم عن ذكرها ، و يمكن لغيري أن يكتب فيها ربما أفضل مني بكثير . لكن ليس هذا ما أردت توضيحه هنا ، إنما ما أردته ،هو أن أذكر له الصفة التي تميز بها عمن سواه ، بحيث لو لم يولد هذا الصحابي الجليل؛ لإفتقدت الأمة هذا النجم العظيم لتقتدي به في تلك الصفة . و من وجهة نظري أن هذه الصفة هي { أنه الرجل الذي استطاع-بفضل الله- أن يصنع من الظلمات نورا، لايضئ له وحده ؛ بل يضئ لمن حوله إلى قيام الساعة ، إنه الرجل الذي استطاع -بفضل الله- أن يجعل من عمى البصر شرفا يستحق أن يعتز به و يتغنى به} . و الآن أريدكم أن تلاحظوا ذلك معي عندما أعدد مناصبه .

المناصب التي احتلها في الدولة الإسلامية و عصر النبي صلى الله عليه وسلم:_

1_أول سفير في الإسلام ، و أول مهاجر للمدينه المنورة ،والممهد للهجرة هو رضي الله عنه وصاحبه مصعب بن عمير:_

ارسلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدينه المنورة ليكونا معلمين لأهل المدينة يدعوهم لدين الله، ويقرآنهم القرآن ، ويفقهانهم في دين الله ، ويمهدان لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه .
وقد رأينا بأنفسنا كيف كان معلم بارع ؛ استطاع ان يزرع الحب والتضحية من اجل الدين ، والإخلاص والحب لنبيه صلى الله عليه وسلم ،وكيف استقبل أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة عند الهجرة.

2_مسؤول الإعلام في الدولة الإسلامية:_
فقد كان مؤذن يتميز بصوت عذب وكان يسمع صوته خمس مرات يوميا بالآذان او الإقامه يدعو الناس لعبادة الله والصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر

وقد كان هذا المنصب من اكثر المناصب التي كان يتمناها الصحابة جميعا لسببين :-
· أن المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة.
· أن من دل على خير كفاعله دون أن ينقص من أجر فاعله شيء ؛ وبالتالي يوضع في ميزان حسناته كل من صلى وصام على آذانه.
وقد كان تميز عبد الله بن ام مكتوم بملكه خاصه به هو..فقد كان يتحرى الفجر لا يخطئه ،رغم عدم وجود ساعات منبهه أو علم بالحسابات الفلكية في ذلك الوقت و لذلك عهد له بأذان الفجر ، هذا الوقت الذي يتحول فيه الظلمات نور..ألم أقل لكم أن هذا الصحابي يستطيع أن يصنع بفضل الله من الظلمات نور له ولكل من حوله ، كالفجر ؟! وكان سابقا في اسلامه كسبق الفجر الذي عهد إليه بآذانه.

3_ معالج نفسي :-

كما ورد في صحيح مسلم_ قد أوكل له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر إعادة تأهيل السيدة فاطمة بنت قيس ، و إعادة ثقتها بوجود رجال حقيقيين ، و ثقتها بنفسها و قدرتها أن تبني حياة زوجية سعيدة و ناجحة ؛ و ذلك بعد أن تعرضت لصدمة طلاقها ؛ حيث طلقها زوجها ثلاث طلقات متفرقات، الأخيرة طلقها لها غيابيا دون أن يعطيها فرصة الإستماع منها، والدفاع عن نفسها ،وإمتنع أن يعطيها نفقة عدتها قائلا لها :لا نفقة لك عندي ،وإدعى أهله أنها اساءت الأدب معهم، فأوكل لها لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أم مكتوم أمر بقائها في بيته وقضاؤها عدتها، وقد أوضح لها صلى الله عليه وسلم :أنه رجل أعمى تستطيع أن تضع ثيابهاعنده . و هذا كناية أنها ستشعر أنها في بيتها، وشعورها بالأمان والراحة بعد المشقه ؛ لأن المرأة لاتضع ثيابها إلا إذا شعرت بالأمان، وأنها في بيتها ، وأوضح لها صلى الله عليه وسلم : أنه رجل بمعنى الكلمة، و أنه اعمى ؛ فسيكون موضوعي ؛ لن تخدعه الوجوه البريئة ، و الصور البراقة التي تخفي خلفها الكذب والإفتراء والظلم .
وقد نجح في مهمته، وتزوجت السيدة فاطمة بنت قيس سيدنا اسامه بن زيد وسعدت به واسعدته.

4_ نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم :-

قد استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينه عند غيابه عنها بضع عشرة مره..كانت إحداها يوم أن غادرها لفتح مكة.
- وعلينا أن نشير أنه لم يكن هناك مجال لأي محاباه..فلو لم يكن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يمتلك من الإيمان والقدرات القيادية والعقلية العالية التي يعلم بها أعداء الإسلام قبل الأصدقاء؛ لما ولاه هذا المنصب الخطير، بأن ينوب عنه حكم المدينه عند غيابه عنها وغياب الجيش..فعليه أن يكون قادرا على التصدي لأي إنقلاب داخلي من قبل المنافقين الذين يمتنعون عن الخروج مع رسول الله؛ ليتحيَّنوا الفرصة للإنقلاب أو التعاون مع الأعداء لإزالة الإسلام والمسلمين ...وكذلك التصدي لأي هجوم خارجي إذا ما إستغل الأعداء فرصة عدم وجود الرسول صلى الله عليه وسلم وجيشه ؛ وقاموا بدخول المدينه وإحتلالها وسبي النساء وقتل الأطفال.
فهذا المنصب يوضح مدى ما كان يتميز به الصحابي الجليل من قدرات على القيادة الدينية ،والسياسية، وقيادة الأمن والآمان ،وكافة شئون الدولة أثناء غياب الرسول، تلك القدرات التي يهابها الأعداء ،وقد ساعد الصحابي الجليل فقده لبصره في ؛أن يقطع الطريق أمام المنافقين فلا يتمكنوا من اتهامه في ذلك الوقت الحرج بأي تهم أخلاقية كما فعلوا مع غيره كحادثة الإفك-على سبيل المثال- ليثيروا الفتنه، ويجعلوا جيش المسلمين فيتشتت تركيزهم نتيجة غيرتهم على نسائهم فلا يستطيعوا الحرب والإنتصار.

5-حامل لواء المسلمين و راية التوحيد :-
ولم تفوته غزوه منذ نزلت آية (لا يستوي القاعدون من المؤمنين و المجاهدون في سبيل الله ) إلا أن يكون كلَّفه الرسول صلى الله عليه وسلم بمهمة أخرى ..وقد حدد لنفسه وظيفتها في ساحات القتال فكان يقول : أقيموني بين الصفين وحملوني اللواء احمله لكم واحفظه فأنا اعمى لا أستطيع الفرار.
- وهذا من تواضعه رضي الله عنه فحتى الأعمى يستطيع أن يُلقي ما في يده ،ويولي ظهره للعدو، و يفر سواء بالفرس الذي يركبه أو على قدميه ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم جعله يحمل الراية ؛ لأنه أعمى يتميز بالشجاعة أولا، و القدرة على التركيز السماعي، بدلا من أن يتشتت بصره بأحداث المعركه..فكلما سمع خفوت في أصوات السيوف ، و أصيب المسلمون بإجهاد أو هبوط في العزيمة ، يمكن أن يلوِّح بالراية ، ليستثير اروح المعنوية للجنود ، ويستحثهم على الجهاد ،ويستطيع أن يتنقل إلى الأماكن التي يسمع فيها هبوط في الهمه ليحمسهم للزود عن راية التوحيد، والخجل من ألا يكونوا بالشجاعة الكافية ، وهذه المهمه ليست سهلة؛ فهو يكون هدفا للرماة والمقاتلين؛ فحامل الراية إذا اسقطها أو ارتعد رعبا عند حمله للراية ؛ فكالطبيعة الإنسانية للمبصرين قد ينتقل هذا الرعب و الإحباط يصاب لجيشه و ينقلب النصر هزيمه..أما إذا ثبت حامل الراية و حمَّس الجنود ؛ فإنه يمكنه نفسيا أن يحول الهزيمه لنصر.
- وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجاهدين في سبيل الله : أنهم لا يتعرضوا لفتنة القبر إذا ماتوا كغيرهم من المسلمين، وعندما سأل الصحابه عن السبب. قال صلى الله عليه وسلم انه : كفى بقعقعة السيوف فوق رؤوسهم فتنه.

وفي السنة الرابعة عشرة للهجرة عقد عمر بن الخطاب العزم على أن يخوض مع الفرس معركه فاصله تزيل دولتهم وملكهم وتفتح الطريق أمام جيوش المسلمين ، فكتب إلى عماله يقول :- لا تدعوا أحدا له سلاح ،أو فرس، أو خبرة، أو رأي، إلا وجهتموه إلي ، والعجل العجل ...
وطفقت جموع المسلمين تلبي نداء الفاروق، وكان في جملة هؤلاء المجاهدون (المكفوف البصر) عبد الله بن أم مكتوم .
ولما بلغ الجيش القادسية ، برز عبد الله بن أم مكتوم لابسًا درعه ، مستكملا عدته ، وندب نفسه لحمل راية المسلمين ،والحفاظ عليها أوالموت دونها ، وإلتقى الجمعان في ثلاثة أيام قاسية، واحترب الفريقان حرب لم يشهد لها تاريخ الفتوح مثيلا، حتى إنجلى اليوم الثالث عن نصر مؤزر للمسلمين، و زال عرش كسرى وابنائه ،وسقطت دولته ورفعت راية التوحيد في أرض الوثنيه، وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء وكان من بينهم عبد الله بن أم مكتوم وكان صريعا مدرجا بدمائه ، وهو يعانق راية المسلمين ، ونحن نعلم أن الشهيد هو بإذن الله في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين ، وهذا اعظم شرف ناله مسلمن كما أن في الدنيا عند العرب قديما كان الموت شهيدا من علامات الرجولة في ذلك الوقت؛ فقد كانوا يعتبروا من يموت على فراشه أنه مات كالبعير.
وبذلك نرى كيف نال بن أم مكتوم شرفي الدنيا والآخرة .
مكانته عند الله:-

عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا زعماء قريش ويعرض عليهم الإسلام؛ ليكفوا بأسهم عن أصحابه رضي الله عنهم ، وذلك في اليوم الذي خصصه فقط لذلك ، أتى عبد الله بن أم مكتوم يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية في كتاب الله ، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني مما علمك الله ؛ وقد كان لا يعلم بأمر ذلك اليوم المخصص فقط لدعوة زعماء قريش؛ فأعرض الرسول عنه ، وعبس في وجهه وتولى نحو أولئك الزعماء من قريش ، و أقبل عليهم ، وما أن قضى رسول الله صلوات الله عليه حديثه معهم، وفرغ من نجواهم ،وهمَّ أن ينقلب إلى وأهله، إلا و أمسك الله عليه بعض من بصره ، وأحس كأن شيئا يخفق برأسه؛ ثم أنزل عليه سورة من أجل هذا الصحابي الجليل، تثني على حرصه على العلم ،وتوضح مكانته ، وأنه عند الله أهم من زعماء قريش ، وتعاتب النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أحب خلق الله إليه في ذلك الأمر بآيات تتلى ليوم القيامة. ومن ذلك اليوم... ما فتئ رسول الله صلوات الله عليه يكرم منزل عبد الله بن أم مكتوم ، ويدني مجلسه ، ويقبل عليه ، ويسأله عن شأنه، و يحقق له مطلبه ، ويقول له إذا أقبل عليه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي.

2- عندما نزلت آية ( لا يستوي المقاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ) أثر ذلك في نفس ابن أم مكتوم، وعز عليه أن يحرم من هذا الفضل ، وقال يا رسول الله : لو استطعت الجهاد لجاهدت ، يا رسول الله ، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد .
فما انقضى كلامه ؛ حتى غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينه ، ونزل قوله تعالى بعد آية {لا يستوي القاعدون من المؤمنين ... نزل قوله تعالى {غير أولي الضرر} نزل الإستثناء الذي تمناه بن أم مكتوم . وعلى الرغم من أن الله سبحانه اعفاه من الجهاد فقد أبت نفسه الطموح أن يقعد مع القاعدين ، وعقد العزم على الجهاد ؛ ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع إلا بكبار الأمور وحرص ألا تفوته غزوة ، ووجد لنفسه وظيفه هامه في ساحة القتال كما ذكرنا سابقا .

ملحوظة هامه :-

عندما ولدت السيدة عاتكة ابنها عبد الله- اعمى مكتوما - كنيت بعدها بأم مكتوم ، ولكن هذه المرأه احسنت تربية ابنها ، وجعلته يتقبل عمى بصره ، بل و يرى النور فيه ؛ حتى خلقت منه هذه الشخصية العظيمة ، وفي المقابل ....وجدنا أن الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم أشتهر بيننا بكنية امه ، لا بإسم أبيه قيس. لتتحول تلك الكنية لفخر وشرف ينسب لتلك المرأة العظيمة، فالله لا يضيع أجر المحسنين . ألم أخبركم أن هذا الرجل استطاع-بفضل الله- أن يصنع من عمى البصر شرفا وفخرا؟!!! وصدق الله حيث يقول ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )