تحي تونس في نهاية الشهر الحالي اليوم الوطني لمعوقين وهي سنة حميدة دأبت عليها تونس منذ سنوات حيث تقام التظاهرات احتفاء بالعاملين من اجل المعوقين وبالمجدتهدين من المعوقين انفسهم.
وبالمناسبة تنشر جريدة الشروق التونسية وهي أكثر الجرائد اليومية انتشارا مقالات عديدة تتحدث
عن المكفوفين في شتى المجالات الحياتية والثقافية والفكرية ، وهي المقالات التى يكتبها صديقكم الكيلاني بن منصور مراسل الشبكة في تونس. واليكم المقال المنشور بالشروق ليوم السبت 14 ماي 2010

المكفوفون التونسيون يحفرون أسماءهم في الأدب بقوة إرادتهم
محمد البقلوطي شاعر القوافي المبصرة
الكيلاني بن منصور
"الإلياذة" و"الأوديسا" لهوميروس، و"الأيام" لطه حسين التي جسدت حياته وتجربته الشخصية، و"الفردوس المفقود" لجون ميلتون الذيعاش في القرن الـ17 وحاول أن يصف الجنة والنار من خلال عمله، و"رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري... روائع أدبية خالدة استطاع أصحابها وغيرهم من أدباء العربوالعالميين المكفوفين أن يحفروا أسماءهم في التاريخ بقوة إرادتهم، لكن رغم ذلك لاتزال صورة ومكانة الأدباء المكفوفين في تونس غير واضحة للمثقف وللعامة من الناس، على الرغم من أن المنجز الثقافي للمكفوفين في تونس حافل بالإبداعات وثري بالأعمال التى تعكس انخراطا ثابتا لهؤلاء في المشهد الثقافي التونسي المعاصر وخاصة بداية من النصف الثاني من القرن الراحل منذ عقد يتيم.
مكفوفون لكنهم مبصرون
لا أحد في تصورنا، وربما قلة هم القراء الذين حصلت لديهم معرفة قرائية بهؤلاء المبدعين الذين صاغوا معاني الجمال والإنسانية والمعاناة من خلال ما أنتجوا من شعر وسرد وغيره من الكتابات الأدبية المختلفة الأجناس. ولكن التاريخ الأدبي لتونس لن يسقط من ذاكرته أسماء هؤلاء المكفوفين مثل الموسوعة المرحوم أحمد الحمداني المطوي والشاعر محمد البقلوطي ولن ينسى المشهد الثقافي التونسي أشعار عبد العزيز مزيد ضمن ديوانه ' كواعب ومتاعب " الصادر سنة 2002، ولن ينسى هذا التاريخ الحافل الشاعر عبد الحميد بن ساعي صاحب ' صهيل الألم ' بل إن هذا التاريخ يفخر بمقالات ودراسات الدكتور لزهر النفطي. والمقام لا يتسع هنا لذكر أسماء كل المبدعين المكفوفين ولعل أيام الشهر تسعفنا ببعض الفرص لذكر أغلبهم. ولعلنا الان أيضا وخلال شهر ماي الذي يتوج في تونس باليوم الوطني للمعوقين نحاول من موقعنا تسليط بعض الأضواء على هؤلاء المكفوفين الذين تتناساهم الأيام المتسارعة الخطوات في سعي إلى إبراز خصوصيات إبداعهم المتنوع حتى يدرك القارئ في تونس وفي العالم العربي أن هذه الأرض الممتدة من الصحراء إلى البحر وهذه الحضارة الضاربة في عمق التاريخ لثلاثة ألاف سنة استطاعت أن تستوعب الجميع وتعطي لكل محب وعاشق لتونس دوره كي يمارس هذا العشق من موقعه.
حياة محمد البقلوطي وإبداعاته الشعرية
ولد البقلوطيفي مدينة صفاقس، وتوفي بها. تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الإسعاد بصفاقس، وتعليمه الثانوي في معهد طريق العين، وتخرج فيه حاصلاً على شهادة البكالوريا (1977). التحق بكلية الآداب في الجامعة التونسية، قسم التاريخ والجغرافيا، ثم بمعهد ترشيح المعلمين، وحصل على شهادة ختم الدروس الترشيحية منه.عمل معلمًا بالمدارس التونسية. كان عضو اتحاد الكتّاب التونسيين، وشارك في المهرجانات الشعرية بتونس.له ديوان «مواسم الحب» - تونس 1984، وقد قدم له الأستاذ المنجي الشملي. وديوان «آخر زهرة ثلج» - منشورات تونس قرطاج - تونس 1987، وديوان «كن زهرة وغنِّ» - منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب - عمّان - الأردن 1994، وله قصائد منشورة في كتاب: «مختارات لشعراء تونسيين» - اتحاد الكتاب التونسيين - إعداد عمر بن سالم - الدار العربية للكتاب - تونس 1992، وله ديوان (مخطوط) بحوزة أسرته.وتخليدا للشاعر ينعقد ملتقى سنوي في صفاقس بعنوان: «الأيام الشعرية محمد البقلوطيتنظمه جمعية الدراسات الأدبية، وفرع اتحاد الكتّاب التونسيين (فرع صفاقسعقدت دورته اسنة 1995
البقلوطي شاعر القوافي المبصرة
محمد البقلوطي شاعر استرعى انتباه النقاد في تونس وفي طليعتهم الأستاذ المنجي الشملي والدكتور محمد القاضي وخالد الغريبي ومحمود المصفار وسوف عبيد، فعمدوا إلى قصائده يشرحون معانيها ويثبتون نواحي الذائقة الشعرية لقائلها ولعل مجموعته الشعرية الموسومة ب (كن زهرة … و غنّ) الصّادرة عن منشورات الإتحاد العام للأدباء و الكتاب العرب – عمّان الأردن سنة 1994. كانت تمثل ذروة الإبداع لهذا الصوت الشعري المبصر من خلال اقتحامه لموضوع يعتقد العامة أن لا قبل به للكفيف ألا وهو موضوع الرسم بالألوان وبالكلمات أيضا وخاصة ضمن قصيد مميز عنوانه " اللوحة " كان الشاعر سوف عبيد قد أفرد له دراسة قيمة وهامة للغاية. ومن جملة ما وصل اليه الشاعر سوف عبيد من اراء هو قوله : إنّ قصيدة ” اللّوحة” لمحة شعريّة فيها التركيز و التكثيف و الإشارة و المباغتة التي تصبح هي بيت القصيد. إنها أنموذج للشعر الجديد الذي علينا أن نستنبط له أدوات نقديّة جديدة لنصل إلى رصد خصائص الإبداع الشعري فيه.وقد أمكن للشاعر والناقد سوف عبيد أن يتفطن إلى مظاهر التفرد لدى محمد البقلوطي ضمن نفس القصيد وهو ما عبر عنه بقوله : " و قصيدة اللّوحة تحملنا إلى أحاسيس جديدة في الشعر العربي بالإضافة إلى اكتشافها استعمالات جديدة في اللغة و هذا هو لعمري سرّ الإبداع فيها.
البيان والإنسان في حضرة الشعر
ولعل أكثر الدراسات شمولا وإلماما بمسألة الصورة الشعرية عند البقلوطي هي دراسة مطولة قام بها خالد الغريبي المعنونة ب " عالم الصورة وصورة العالم في كتابة العمى " وقد قام اتحاد الكتاب التونسيين بنشر هذه الدراسة المستفيضة ضمن الجزء الثاني من الكتاب الصادر بمناسبة مهرجان الشعر العربي الحديث بتوزر سنة 2005 في تقديم لأحمد الوذرني. وقد تطرق خالد الغريبي في دراسته الى مفهوم الصورة الشعرية وأنواعها ووظائفها وصولا إلى الصورة الشعرية لدى محمد البقلوطي الذي اختاره الباحث موضوعا لدراسته. ولعل الطريف في تلك الدراسة هو اكتشاف صاحبها لما أسماه الصورة الشعرية السمعية في أشعار البقلوطي. وقد قسم الغريبي حياة البقلوطي إلى فترة ما قبل الكفف وفترة ما بعد الكفف وهو ما سمح له في تقديري بتوظيف مباحث الذاكرة والتذكر في استنتاج الصورة السمعية لدى محمد البقلوطي. أما أهم ما توصلت إليه تلك الدراسة فيتلخص في قول الأستاذ خالد الغريبي : " إن قارئ تجربة العمى كما عاشها الشاعر محمد البقلوطي .... لا شك أنه يحس بأن أسئلة تظل تلاحقه خصوصا إذا تنوعت المدونة لتشمل أنواعا أخرى من ذوات مبدعة أصابها عمى البصر وما أصابها عمى البصيرة. .... انقطع حبل الصورة حينما صار الموت الجارف أليفا والعدم الجارح نفحة من روح ، تحنو بنزقها ، وتفتت كثافة الطين لتعيد به الخلق ، صورا يرسمها المبصر ولا يراها الأعمى إلا بسمعه ، صورا يرسمها الأعمى ببصيرته النافذة ، صورا نؤولها ولا ندري لها تأويلا ما دام عالم العمى زاخرا بصور أخرى لا يطولها المبصرون إلا بنور يقذفه الله في الصدر حيث يتجلى لنا البيان والإنسان في حضرة الشعر.
يظفر الليل ... بوهم الغيم
شعر محمد البقلوطي.


وحدَكَ الآنَ ملتحفًا بالغَسَقْ
تظفرُ الليلَ
أو توهمُ الغيمَ
أو ترتقُ الذكرياتْ
وحدكَ الآنَ
تغزلُ من تَعَبِ العمر أجنحةً وسماءْ
ربّما
ما أفقتَ هنا
مثلما قد أفقتُ أنا
إنْ على برقِ سوسنةٍ تحترقْ
أو على فَيْحِ سنبلةٍ من شذا
تذْرفُ العشقَ
وتحضنُ جمرَ هواجِسها في تمامِ الذهولْ
وتقول: أنا شهرزادْ
إنها شهرزادُ
وأطيارُها من نبيذٍ وثلجْ
والصَّبايا لديها
يفاتِحْنها بالنشيد
يُنادينَ:
يا أيها الوقتُ عانقْ فضاءاتِها
واتَّحِدْ بِبلابِلها