الجزء الأول.

أطروحات لتقويم الخطاب الدعوي المعاصر والارتقاء به

حسام الحفناوي

الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد:
فإن اجتياح المد الإسلامي للعالم بأسره، وانسياح نور الشريعة بين الشعوب الإسلامية بخاصة من الأمور المعلومة من الواقع بالضرورة، ولا يفتقر مُتَحَدِّث أو كاتب إلى إثبات هذه المُسَلَّمة، حاشا عند المجادلين في المُسَلَّمات بالباطل، ولا يُرتجى من مثلهم نَفْع، ولا أَعْضَل على الداعي من توضيح واضِحة، أو تبيين مُحْكَمَة.

وقد صَحِب ذَيْنَك الاجتياح والانسياح، وتلاهما بروزُ كثير من وسائط إيصال تلك الدعوة الإلهية المباركة وحواملها، فبات كل طارف حادث من وسائل التقنية المبتكرة مَحَطًا لأنظار القائمين على نشر الدعوة الإسلامية من مُمْتَهِنين ومُتطوعين، ومَرْكبًا يُبْحرون به بين أرجاء العالم الفسيح، الحِسِّي منه والافتراضي[1] دعوة وبلاغًا، هداية وإرشادًا.

ولما كان الخطأ والنقص من سمات البشر التي لا تنفك عنهم، ويُعَدُّ الطالب لانتفائهما بالكلية مصادمًا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا مُبَدِّل لها، كان للقائمين على نشر الدعوة - ولا بد - نصيب من تلك الصفة البشرية، ولا غرابة؛ لأن تَشَرُّف المسلم بحمل الدعوة إلى الله تعالى لا يرفع عنه نقائص البشر الملازمة لهم، وإنما يُهَذِّبها بحَسَب اجتهاد الداعي في مداواة نفسه بالأدوية الشرعي من أدوائها.

وكثير من المُتَصَيِّدين لأهل الديانة العثرات، والباغين لهم العَنَتْ يُجافون هذه الحقيقة المُقَرَّرة بتضخيمهم لهفوات أهل النُّسك، وتسليطهم الأضواء على زلَّات حاملي الدعوة، بُغْيَة عيبهم وإسقاط مكانتهم من أعين الناس، وليس هذا بشيء.
ومُكَلِّف الأيام غير طباعها
مُتطلبًا في الماء جذوة نار
وترتفع معدلات ورود الأخطاء في الخطاب الدعوي المعاصر مع ما يَتَمَخَّض عن تعدد وسائط البلاغ وحوامله - وتوفرها في ذات الآن - من ولوج ما لا يُحصى من المسلمين إلى مجال حمل الدعوة، واتساع رُقعة المُتَصَدِّرين لهذه المهمة الجليلة، سواء ملكوا الكفاءة والأهلية لذلك، أو افتقدوا ما قَلِّ منها أو كَثُر.

وسوف أسوق بين يدي القارئ الكريم بمشيئة الله تعالى سبع نقاط مِحْوَرِيَّة، تَسْمو الأولى والثانية منها عن الوقوع في دائرة النقاش؛ لعظيم خطرهما في دين الله تعالى، وتعاضُد النصوص الشرعية في بيان مَغَبَّة التفريط فيهما، وما يَتَمَخَّض عن المَسَاس بهما من تحريف للشرع بالتأويلات الباطلة من أهل الأهواء المُضِلَّة، إرضاء للطِّغام، وتزلفًا للعوام، وتمثل خمس نقاط منها أمورًا تحسينيَّة قد ترقى في بعض الأحايين إلى مرتبة الحاجِيَّة، بحسب مقدار التفريط فيها، ومدى احتياج المسلمين إليها في زمن من الأزمان، أو وقت من الأوقات.

النقطة الأولى: الخطاب الدعوي بين الواقعية والعصرانية.
فلا يخفى على مُشتغل بالدعوة، مُتَمَرِّس فيها ما لفهم واقع المسلمين من أهمية، وما ينتج عن تجاهل متابعة تطوراته من:
أ- تغييب للمرء عن فهم الموقف الشرعي الواجب إزاء كثير من النوازل والمُلِمَّات.
ب- معرفة أسلوب الخطاب الموائم لعقول المُخاطَبين من أهل بلده وحِقْبته، فضلًا عن غيرهم.
جـ- تقديم ما قد يلزم تأخيره، وتأخير ما قد يلزم تقديمه، يستوي في هذا القَلْب ما كان متعلقًا بالبيان والتبليغ، وما كان مناطًا للترجيح بين المصالح والمفاسد.

إلى غير ذلك من العواقب الوخيمة، والآثار الذميمة.

بيد أن صنفًا من المنتسبين للعلم الشريف في عصرنا - وقبله بيسير - قد غالَوا في ادِّعاء فهم الواقع، ووجوب مراعاته، حتى طَوَّعوا أحكام الشرع لأهواء الأمم وأعرافها، فأحَلُّوا لقوم ما حَرَّموه على آخرين، وحَرَّموا على أهل زماننا ما كان مباحًا طِيْلة القرون التي سبقت ظهور بدعتهم، ونُشوء فرقتهم.

فلم يكتفوا بفهم ما يدور حولهم من مُسْتَجَدَّات، وما يعايشونه حولهم من مواقف وأزمات، وما يكتنف محيطهم من تطورات ومخترعات، بل جعلوا ما فهموه وأدركوه - وقد لا يفمونه حق الفهم - مما تقدم ذكره ميزانًا للترجيح بين أقوال الفقهاء حينًا، ونبراسًا لاستنباط أحكام جديدة من الكتاب والسنة أحيانًا، ومُقَيِّدًا لأحكامهما - وربما ناسخًا لها بالكلية - في بعض الأحايين الأخرى، حتى صارت الأحكام الشرعية بين يدي هؤلاء كدُمْية طفل يعبثون بها كيف شاؤوا، ويطرحونها متى شاؤوا، ويُقَبِّلونها ويلتزمونها إن اشتهوا ذلك.

وكل من هذه الأفعال الصِّبيانية له موضعه الذي لا يخفى على أمثالهم من أساطين العَصْرَنة، والصيرفي أعرف بديناره!!!

النقطة الثانية: الخطاب الدعوي بين المُداراة والمُداهَنة.
فمُداراة المُتَرَبِّصين من الكفار والمنافقين والظالمين - إن قويت شَوْكَتُهم أو خِيف من مكرهم - لايتناطح في مشروعيتها - بل ووجوبها أحيانًا - كَبْشان، ولا يجهل مَسيس الحاجة إليها عند بعض الشدائد من اشْتَمَّ رائحة العلم، وشارك - ولو بنَزْر يسير - في حقل الدعوة.

لكن العِتاب على بعض المُتَصَدِّرين للدعوة في زماننا لا ينشأ من مداراتهم لمن ذكرنا إن احتيج إليها، ولم يَؤلْ أمرها إلى كتمان حق وَجَب إظهارُه، أو إثارة حِزْمَة من الضَّباب حول أمر يَلْزَم الداعي إعلام الناس به ناصعًا بَرَّاقًا، خاليًا من كل ما يؤثر على وضوح الرؤية وجلائها.

وإنما نشأ العِتاب وتَرَعْرَع من جَرَّاء مُداهنة المذكورين، وتَلَمُّس رضاهم، وتحاشي مواضع سخطهم، سواء سَمَّاها المُداهِن مُداراة، أو علَّلها بإكراه، أو اتَّكَأ على دعوى المصلحة، أو غير ذلك من خيوط العنكبوت التي يتخذها المُتَمَلِّقون جُنَّة يستترون بها من سهام الناقدين لمداهنتهم، ورماح الكاشفين لزيف خَلْطهم بين مفهومي المداراة والمداهنة.

وهم أبصر بنفوسهم، ولو ألقوا معاذيرهم، وحاججوا بالباطل خصومهم ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9].

النقطة الثالثة: الخطاب الدعوي بين الإبداع والابتداع.
ما فَتِأ علماء المسلمين يُبْدِعون في طَرْح الموضوعات العلمية ومناقشتها، مع الحفاظ على مضمونها من المساس، وصيانة محتواها من العبث، والضرب على يَدَي مَنْ تُسَوِّل له نفسه شيئًا من ذلك، ودَحْض مفترياته.

ومن تأمل تاريخ التصنيف في العلوم والمراحل التي مر بها، عَلِم الكثير من ذلك، فإن قَوِيَتْ بالتراث صِلَتُه، تَكَشَّفَت له من جوانب الإبداع عند علمائنا الكرام ما يُذْهِل العقول، ويُحَيِّر الألباب، ودونك هذا المثال الذي يجد الباحث في تراث علماء المسلمين آلاف النظائر والأشباه له في الإبداع والابتكار:
صَنَّف الإمام الزَّرْكَشي الشافعي رحمه الله تعالى كتابًا وَسَمَه بخَبايا الزوايا، جمع مادته من المسائل الفقهية المبحوثة في غير مَظانِّها في كتابي الوجيز والرَّوْضة من كتب فقهاء الشافعية، ورَتَّبها على الأبواب.

فإن تكلم الرافعي مثلًا في كتاب الصلاة عن مسألة من مسائل الحج، ولم يُعِدها في كتاب الحج، اسْتَلَّها الزركشي ووضعها في كتاب الحج من الخبايا، وهكذا، حتى غدا كتابه عجيبة من العجائب، وغريبة من الغرائب، وكان مقصوده من ذلك ألا يُظَنَّ إهمال الإمامين لمُباحَثة المسألة المذكورة في غير مَظانِّها.

وما زال العلماء وطلبة العلم يتعاهدون التصنيف في العلم ومباحثة مسائله بالإبداع، ويُدْلي كل منهم بدلو يُغاير سابقيه في الوعظ والإرشاد، مع تواصيهم فيما بينهم بالحرص على حفظ المضمون الشرعي من أن تَشُوبه الشَّوائب، أو تُعَكِّر صَفْوَه المُعَكِّرات، حتى غدا الجمع بين التَّجَدُّد والصيانة شنشنة لهم.

لكن أقوامًا من مُحِبِّي الظهور، ومُتعمدي التحريف، ومُتَقَصِدي الإغراب، ومُتَزَلِّفي أصحاب الجاه قد أحدثوا في دين الله تعالى ما ليس منه، وبَدَّلوا أحكامًا إلهية بحُثالات أذهان بشرية؛ بدعوى الإبداع في الطَرْح، وتحت ذريعة استحداث عوامل مُبْتَكَرة لجَذْب مَدْعُوِّين جُدد لا يَروق لهم أساليب الطَرْح المعهودة في ظنهم.

فلا تَعْجَب من جَمْعِهم الرجال والنساء في مجلس واحد، ولا يَرُعْكَ دعوتهم للتصويت على الثوابت الشرعية، ولا تفزع لاستضافتهم أكابر مجرمي اللادينيين لمناقشة ما عُلِم بالضرورة من دين الإسلام مناقشة تتسم بالموضوعية التامة، دون تَحَيُّز أو محاباة، للإسلام ولا للكفر!!!

فالتَّحَيُّز - ولو لدين الله تعالى - من نواقض دين المُبْدِعين الجُدُد!!!

... يتبع إن شاء الله....