نشرت الشروق التونسية اليوم الخميس مقالا لنا هذا نصه في انتظار الرابط
من تلاميذه طه حسين وأحمد شوقي والزيات وسامي البارودي
المكفوف حسين المرصفي رائد علم الدلالة السياسي
ورمز المدرسة الإحيائية (1815-1890)
الكيلاني بن منصور أستاذ باحث ماجستير الأدب
قلة هم الذين سمعوا عن الشيخ حسين المرصفي من القراء. ويندر أن نجد في تونس والمغرب العربي وحتى المشرق العربي من له معرفة بهذا العالم الكبير الذي أحدث ثورة في النقد الأدبي العربي بتسييره لانقلاب نقدي رهيب في مسار الثقافة العربية. ولسنا ندري سببا لعدم معرفة الناس بحسين المرصفي الضرير الذي عاصر الثورة العرابية وتأثر بأحداثها تأثرا كبيرا. ليس هذا فحسب، فكتبه الهامة والقيمة لم يقع نشرها على نطاق واسع على الرغم من أن مادتها تعتبر ثورة حقيقية في مجال النقد الأدبي وعلم الدلالة السياسي. لا بل إن أغلب كتبه ودراساته ظلت مخطوطة لم تجد طريقها إلى التحقيق والنشر. حدث كل ذلك لرجل تتلمذ على يديه أعلام الأدب العربي الحديث الذين كانوا عناوين مضيئة في سماء الإبداع . فعميد الأدب العربي طه حسين وأمير الشعراء أحمد شوقي درسا عند حسين المرصفي إضافة لحسن الزيات وسامي البارودي وغيرهما من الأسماء اللامعة. فإذا كان رجل بهذا القدر قد وقع تناسيه فما بالك بمن لم يخط في حياته حرفا ولم يقدم لبلده شيئا، ألن يصبح نسيا منسيا
إن ما بعث في نفسي بعض الراحة وأنا أبحث عن كتب حسين المرصفي أن مكتبتنا الوطنية التونسية التي تعد مفخرة المكتبات العربية في العالم تحتفظ بأهم كتاب أوضعه العلامة المرصفي إلى جانب الدراسات التي كتبت حوله بما وفر للباحث فرصا لمزيد التقصي والتحقيق. ولنا حقا أن نفخر بهذا الصرح الثقافي الذي يعد من أبرز المؤسسات الثقافية في تونس والعالم.
السجل الشخصي لحسين المرصفي
ولد حسين المرصفي سنة 1815 بقرية " المرصفا " بمحافظة " القليوبية " في مصر. حين بلغ الثامنة من عمره فقد بصره . ووالده هو الشيخ أحمد أبو حلاوة المرصفي من كبار علماء الأزهر الشريف. أتقن حسين المرصفي إلى جانب لغته العربية اللغة الفرنسية اتقانا كبيرا، وتعلم أيضا فيما يبدوا الكتابة النافرة التى اخترعها لويس براي بفرنسا. وقد وقع تكليفه بإلقاء المحاضرات باللغتين الفرنسية والعربية في دار العلوم سنة 1882. وقد جاء في مقدمة كتابه الشهير " الوسيلة الأدبية " بقلم الاستاذ الدكتور عبد العزيز الدسوقي أن العاهة كان لها تأثير على مزاج ذلك الرحل المرهف الإحساس، المتواضع النفس. فانطوى على نفسه وعزف عن الشهرة. وعكف على عمله في تأليف الكتب. ولهذا لفّ الظلام تفاصيل حياته وسيرته. ولو بضعة سطور كتبها عنه علي مبارك في " الخطط التوفيقية " لما اهتم به أحد من معاصريه، ولم يكتب عنه أحد بعد ذلك، حتى إلتفت إليه الشاعر الباحث الأستاذ محمد عبد الغني حسن، فكتب عنه فصلا ممتازا في كتابه " أعلام من الشرق والغرب " الذي صدر في أواخر الأربعينات.
( وهذا الكتاب موجود بدار الكتب الوطنية التونسية ). ثم كتب عنه الأستاذ محمد عبد الجواد كتابا أصدرته دار المعارف في طبعة متواضعة عام 1952. وكتب عنه الناقد والباحث الكبير الدكتور مندور فصلا من الفصول التي كان ينشرها في أواخر الخمسينات عن النقد والنقاد المعاصرين ثم قام بجمعها في كتاب. وقد عجب الأستاذ محمد عبد الغني حسن من إغفال مؤرخي الأدب ، تقديم ترجمة كاملة للشيخ حسين المرصفي ، وقال : " يظهر أن الترجمة للشيخ حسين كانت شاقة لمن جاؤوا بعد علي مبارك باشا، فأغفله جورجي زيدان بك وهو يترجم لقرابة تسعين عالما من أعلام النهضة في كتابه " تراجم مشاهير الشرق" كما تركه الأستاذ حسن المندوبي في كتابه " أعيان البيان ". الذي ترجم فيه لطائفة من أعلام البيان والشعر، منذ عصر محمد علي، وأعجب من ذلك كله أن يتركه المغفور له أحمد تيمور باشا وهو يترجم لأربع وعشرين عينا من أعيان الأدب والشعر في كتابه " تراجم أعيان القرن الثالث وأوائل القرن الرابع عشر " الذي طبع بعد وفاته. وما زال حظ المرصفي يضؤل من الأسطر التسعة التي تفرد بها علي مبارك باشا في " خططه " حتى بلغ نصيبه ثلاثة أسطر من الترجمة في كتاب " الآداب العربية في القرن التاسع عشر " للأب لويس شيخو اليسوعي، وهو نصيب لا يقوم كفاء ما أسداه الشيخ المرصفي إلى دراسة تاريخ الأدب من خدمات. على أن مؤرخنا المنصف عبد الرحمان الرافعي بك لم يفته وهو يترجم لأعلام الأدب في عصر إسماعيل، أن يردد بضعة الأسطر، التي جاءت في كتاب علي مبارك باشا. وهي المصدر الوحيد في ترجمة الشيخ الجليل ".
والمعلومات التي قدمها علي مبارك عن الشيخ حسين المرصفي الضرير تتلخص في أن والده هو الشيخ أحمد أبو حلاوة من علماء الأزهر الشريف، وهو ما يعني أن حسين المرصفي ينتمي إلى عائلة عريقة في الحسب والنسب والعلم والثقافة. ثم انتقل علي مبارك للحديث عن حسين المرصفي نفسه بقوله : وقد ترك ا(والد حسين ) ابنه العلامة الشيخ حسينا من أجلاء العلماء وأفضلهم، له اليد الطولى في كل فن وقلّ أن يسمع شيئا إلا ويحفظه، مع رقة المزاج وحدة الذهن، وشدة الخلق، اجتهد في التحصيل وحفظ المتون وتصدر للتدريس وقرأ بالأزهر كبار الكتب مثل " معني اللبيب" لابن هشام. وله تأليف مفيدة أجاد فيها وأفاد، منها كتاب " الوسيلة الأدبية في علوم اللغة العربية " الذي جمع فيه نحو اثني عشرة فنا، وتكلم بالفرنساوي ، وقرأ الخط العربي والفرنساوي في أقرب زمن مع انكفاف بصره، وهو حروف أصطلح عليها اصطلاحا جديدا تدرك بالحس باليد. وقد أنشأ الخديوي إسماعيل من ضمن ما أنشأ من المدارس مدرسة للعميان ، يتعلمون فيها هذا الخط مع فنون أخرى . وكان الشيخ حسين معلم العربية في دار العلوم ، وبالمدارس الكبرى وبمدرسة العميان .."
القيمة التاريخية لهذا الشاهد
إن الشاهد الذي اقتبسناه من الأسطر التي كتبها علي مبارك باشا يمثل قيمة تاريخية نادرة. فعلاوة على أن علي مبارك باشا يخبرنا عن بعض جوانب سيرة العلامة حسين المرصفي فهو يقدم معلومة تاريخية لم يتفطن إليها أحد ممن كتبوا حول تاريخ دخول الكتابة البارزة إلى العالم العربي. فجميع البحوث والدراسات التي وقعت بين أيدينا سواء منها العربية أو الأجنبية تشير إلى أن العالم العربي لم يعرف هذه التقنية إلا مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين. وقد قمت بتصويب تلك المعلومات في ما سبق نشره من دراسات هنا بجريدة الشروق التونسية. وها إني اليوم أزيد في تصويب المعلومة لأقدم دلاليلا أن هذه الكتابة التى ابتكرها لويس براي قد دخلت مصر في عهد الخديوي إسماعيل أي منذ القرن التاسع عشر وهو الشيخ حسين المرصفي قد أتقنها وكان يدرسها للمكفوفين بمدرسة العميان بما يعني أيضا أن العالم الغربي لم يسبق العالم في التعليم النظامي فمسيرة التعليم العربي للمكفوفين انطلقت منذ القرن التاسع عشر ويكفينا هذا الشاهد للاحتجاج على صحة هذا الرأي. على أنني أدرك تمام الإدراك أن علي مبارك باشا لم يكن يهدف إلا إلى تقديم معلومات عن حسين المرصفي فقط. وبذلك أصبح لهذه الأسطر التسعة قيمة تاريخية هامة من وجهة نظر البحث التونسي في مجال تاريخ التربية الخاصة في العالم.
قد يقول قائل بأن الخط المقصود هو تلك الحروف الخشبية التي كان يستعملها الفرنسيون ومنهم " هاوي" وهي عبارة عن حروف عادية مصنوعة من الخشب أو من الشمع يستطيع من فقد بصره قراءتها وليس المقصود من الشاهد الذي أوردناه عن علي مبارك باشا إلا تلك الحروف الخشبية التي تقرأ بالحس باليد. وهنا لا يسعني ألا أضافة الفقرة التالية للدكتور عبد العزيز الدسوقي ضمن مقدمته لكتاب حسين المرصفي " الوسيلة الأدبية " حيث يقول حرفيا : " أما ثقافته فكانت كما ذكر علي مبارك هي الثقافة الأزهرية، حفظ القران والمتون والتحق بالأزهر (.......) وتعلم لغات أخرى غير العربية، فتعلم اللغة الفرنسية بطريقة الحروف البارزة المعروفة بطريقة برايل braille ". لست أدري إن كان هناك الان تحفظ من هذه الحقيقة أم أننا قد أقمنا للحق مكانه العالي. وأزهقنا الباطل مسترشدين بقوله الله " إن الباطل كان زهوقا ".
مؤلفات الشيخ حسين المرصفي وموقف النقاد منها
يذكر الدسوقي في مقدمة " الوسيلة الأدبية " أن المرصفي ترك ثلاثة كتب هامة هي : " الوسيلة الأدبية " ويشمل مجلدين. وكتابه الثاني هو " دليل المسترشد في فن الإنشاء " ضمن ثلاث مجلدات لازالت مخطوطة . ثم كتابه الثالث " رسالة الكلم الثمان " وهو كتيب صغير في 66 صفحة.
رسالة من حسين المرصفي إلى وزارة التربية التونسية
ويعتبر كتابه " الوسيلة الأدبية " أهم كتاب وضعه الرجل لما يتضمنه من مادة أحدثت انقلابا في بعض مفاهيم النقد وتحولا عن النقد القديم المتصل بالشعر مثل النظريات التي صاغها قدامة ابن جعفر خاصة. وسوف تكون لنا فرصة آتية لتقديم أعماله حسب منهجية واضحة تعطي هذا الرجل الكفيف حقه من التقدير والتبجيل وتمكن القارئ من التعرف على مواطن التجديد في فكر المرصفي وأهم اتجاهاته الأدبية التي ميزته عن سواه. لا بل وجعلته رئيس فريق التدريس بالمدرسة التي أنشأها علي باشا مبارك في أواخر القرن التاسع عشر