مقالنا في جريدة الشروق التونسية ليوم الامس
التأهيل الثقافي والتربوي للمعوقين: الإشعاع الثقافي التونسي في مجال التربية الخاصة



الكيلاني بن منصور (أستاذ باحث في الماجستير)
استنادا الى دراسة نشرتها المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة سنة 2004. ودراسة عربية تم انجازها في تونس من قبل المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة التابعة للجامعة العربية. إلى جانب رصد تاريخي للمشاريع التي شاركت فيها تونس في مختلف دول العالم العربي والاسلامي والقارة الافريقية وبعض الدول الأوروبية، يتضح جليا أن التجربة التونسية أصبحت تجربة عملية وواقعية يمكن الاستدلال عليها من خلال خطاب يحتكم الى معايير صارمة تعوّل في كلياتها وجزئياتها على مؤشرات وشواهد جلية لا تقبل الدحض ولا الإنكار.
قام الباحث عدنان الجازولي بإنجاز دراسة قيمة تحت عنوان «الاعاقة في التشريعات المعاصرة» سنة 2004 قدم لها الدكتور عبد العزيز التويجري الأمين العام للمنظمة، وتبنت نشرها المنظمة في كافة الدول الأعضاء بهذه المنظمة الدولية المرموقة. وقد جاء في التقديم قول د. التويجري «الدراسة في مبناها ومغزاها، تقدم خلاصة تجارب وعصارة أفكار، وإطارا عاما واسعا للعمل الاجتماعي في مجال الاعاقة. وهي بهذا الاعتبار جديرة بكل التقدير».
وقد تعرض الباحث خلال مختلف الفصول التي تشكل مادة بحثه لتجارب الدول العربية في مجال التشريع والتنمية الاجتماعية والتربوية والثقافية الموجهة للأشخاص من ذوي الاعاقة.. كما تضمن البحث قائمة بيبليوغرافية للكتب والدراسات المتصلة بمجال الاعاقة والتربية الخاصة في اللغة العربية والانقليزية. ولدى حديثه عن التجربة التونسية أبدى الباحث تثمينه لهذه التجربة النوعية التي يتميز بها التشريع التونسي عن سواه من التشريعات العربية الأخرى.
إن التجربة التونسية في مجال التشريع الخاص بالاعاقة تتميز بالأسبقية التاريخية، فمنذ سنة 1981 أصدرت تونس القانون التوجيهي الخاص بالأشخاص ذوي الاعاقة تزامنا مع السنة الدولية للمعوقين وعشرية العمل من أجل الأشخاص ذوي الاعاقة. وقد كان هذا القانون شاملا لكل ما يتصل بمجال الاعاقة وخاصة ما يتصل بتعريف الشخص المعوق. كما أن التشريع التونسي تميز خاصة بواقعيته ومسايرته لما يستجد في المجالات الحياتية للمجتمع، ولم يبق ذلك القانون التوجيهي حاملا لنفس المضامين التي التي احتواها لدى إصداره سنة 1981، بل وقعت مراجعته دوريا بما يحقق الواقعية الاجرائية المرجوة من وراء عملية إصداره، بما يعكس الرغبة التونسية الصادقة في أن تترجم القوانين التشريعية التقدم والتغيير الحاصل في بوتقة الحياة المجتمعية بأكملها.
ولعل اعتبار تونس مسألة الاعاقة قضية وطنية بالدرجة الأولى لا تهم الشخص المعوق وحده، بل تهم جميع مكونات المجتمع هو الذي خلق الدافع لجعل سياسة الحماية والوقاية من حصول الاعاقات ضمن أولويات السياسة الاجتماعية والصحية في تونس. وهذه المقاربة في تقدير الباحث جعلت الاعاقة قضية غير مسقطة على المجتمع بل هي قضيته الرئيسية في كسب رهان التنمية. وهو ما جعل تونس تتميز بنظرتها الى المعوق لا على اعتباره مستحقا للمجهود الرعائي بل هو قبل كل شيء شريك اجتماعي في التنمية بما يؤهله لتحمل أدواره ضمن المسار الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
دراسة المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة
تزامنا مع السنة الدولية للمعوقين 1981 وعشرية العمل من أجل الأشخاص ذوي الاعاقة 1982 ـ 1992 التي تم اقرارها من قبل الأمم المتحدة. طلبت المنظمة العربية من تونس انجاز دراسة حول واقع النهوض بالمعوقين في العالم العربي. ولرصد مختلف هذه الحقائق على الأرض قام المركز العربي الافريقي للبحوث وتكوين الاطارات العليا في التربية الخاصة وتأهيل المعوقين ومقره تونس بتكليف من وحدة البحوث التربوية بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بدراسة حول تربية المعوقين في البلاد العربية.
وقام مدير المركز السيد محمد الراجحي والدكتور عبد الرزاق بإجراء هذه الدراسة التي أنجزتها تونس استنادا الى خبرتها العالمية في مجالات الثقافة والتعليم والتربية الخاصة. وإزاء غياب معلومات دقيقة وخلو الاستمارات المرسلة لمختلف وزارات التربية العربية اعتمد الباحثان على معلومات المنظمات الدولية ذات الصلة بهذا الموضوع. وقد كانت تونس من الدول القليلة التي أنجزت الاحصاءات الضرورية وقامت برصد واقع التربية الخاصة بها وأجابت على كل فقرات تلك الاستمارة البحثية بما يترجم تميز المشروع التونسي بالجدية والواقعية وقيامه على أسس علمية ومواصفات دولية. وللتذكير فإنه في تونس تمت المصادقة على العقد العربي لحقوق المعوقين خلال القمة العربية التي عقدت في تونس برئاسة الرئيس زين العابدين بن علي.
الاشعاع التونسي من خلال المؤتمرات الدولية
لقد كانت تونس منذ الستينات ملتقى دوليا استقطب إليه أنظار الخبراء والباحثين في مجال القطاع الثقافي والتربوي والتأهيلي الخاص بشريحة المكفوفين. ومن تلك الملتقيات الدولية يمكن لنا أن نذكر الندوة الافريقية لمربي المكفوفين التي التأمت ببورصة الشغل بتونس تحت اشراف الأديب الكبير المرحوم محمود المسعدي كاتب الدولة للتربية في ذلك الوقت، وقد امتدت أشغال تلك الندوة من 25 سبتمبر الى 15 أكتوبر 1963.
وقد شاركت في فعاليتها كل من تونس والجزائر وليبيا ولبنان، والسودان والكامرون والطوغو. وجمعية المكفوفين في فرنسا، واتحاد المكفوفين بألمانيا الفيدرالية. وقد كانت الندوة مناسبة استعرضت فيها الدول الافريقية المتطلعة على الاستقلال تجاربها الوطنية في مجالات الصحة والاقتصاد والتعليم والثقافة الخاصة بالمكفوفين في كل دولة. وتمخضت عن هذه الندوة لوائح وتوصيات كانت بمثابة خارطة العمل القارية في النهوض بقطاع المكفوفين، وهو ما أفضى إلى أن تكون تونس منطلق العمل الفعلي من أجل النهوض بحاملي الاعاقة البصرية في القارة الافريقية.
وقد تمخض عن هذه الندوة إحداث المكتب الدائم الافريقي للاعلام. بما منح تونس التقدير الافريقي الذي تستحقه. وانعقدت بتونس أيضا ندوة دولية ثانية هي الندوة الأوروبية الافريقية للتعاون والنهوض بالمكفوفين من 24 الى 30 أكتوبر 1973 وقد ضمت أغلب دول أوروبا وافريقيا. وتمخضت عنها لجنة مشتركة مقرها تونس التي تحظى بتقدير كل الدول المشاركة في هذه الندوة الدولية. كما قامت تونس بتنظيم الملتقى الدولي للمؤتمر العالمي لتأهيل وإدماج معوقي البصر بالعاصمة من 6 الى 13 سبتمبر 1980 بمشاركة دول أوروبية وافريقية وأمريكية وآسيوية الى جانب منظمات دولية متخصصة وجمعيات عالمية تمثل الأشخاص المعوقين والقطاع الخاص.
وقد تمخضت عن المؤتمر العالمي عدّة لوائح وقرارات شكلت أيضا استراتيجية عالمية للعمل من أجل المكفوفين في العالم، وقد عرفت تلك الخطط بلوائح تونس من أجل معوقي البصر. كما شاركت تونس في أغلب المؤتمرات العالمية المنعقدة خارج الحدود وكان حضورها فاعلا إذ تم انتخابها رئيسا للجنة الأفارقة بالاتحاد العالمي للمكفوفين الى جانب توليها مناصب تنفيذية في أغلب تشكيلات المنظمة الأممية مثل مكتب العمل الدولي منذ ستينات القرن العشرين. وكل هذه الحقائق التي عرضنا تمثل إرثا وطنيا ثريا حقق لتونس الحضور الفاعل والتقدير الكبير على مستوى العالم بأسره، وكبرى المنظمات لازالت الى اليوم تقدر في تونس ريادتها في قطاع التربية الخاصة والنهوض الاجتماعي بأكبر الأقليات في العالم وهي شريحة المعوقين. وهو ما يدعونا الى التأكيد بأن الجمعيات العاملة في هذا القطاع عليها أن ترفع مستوى خطابها وعملها وبرامجها لمستوى يتناسب وحجم تونس في العالم في هذا المجال. فمن غير المعقول أن تكون أطروحات جمعيات المعوقين بصريا وسياستها وعلاقتها بمنظوريها دون مستوى ما وصلت إليه تونس من إشعاع دولي. وعليه فما معنى أن تعمد الى تقديم الكفيف عبر مراسلاتها ومن خلال نشاطها على أنه ذلك الشخص المستحق للصدقة والاحسان. ودعوتنا هذه تهدف الى الرقي بالخطاب الجمعوي والنشاط المتمخض عنه الى مستوى مكانة تونس دوليا وإشعاعها عالميا.
توظيف الخبرة التونسية دوليا
لقد كانت الخبرة التونسية احدى الموارد البشرية التي وظفتها المنظمات الدولية في مساعدة دول العالم النامي في إنجاز مشاريع النهوض الشامل بقطاع الخدمات التربوية والثقافية، ومن أبرز المشاريع التي تم فيها التعويل على الخبرة التونسية نذكر خاصة: تقييم المشروع الفرنسي المتعلق بالتوجيه والاعداد المهني وإدماج الأشخاص المعوقين في عالم الشغل وتقييم مؤسسات الاعداد المهني للمعوقين بسويسرا بطلب من الاتحاد السويسري لهيئات المعوقين سنة 1991. الى جانب تقييم مشروع التأهيل الحركي والمهني بدولة دجيبوتي في اطار برنامج الأمم المتحدة للتنمية بمقر مركزها الدولي بفيينا. كما تم عن طريق الخبرة التونسية تركيز مشروع نموذجي للتأهيل المهني والادماج الاجتماعي للمعوقين بدولة الطوغو في اطار برنامج الأمم المتحدة ومكتب العمل الدولي بجنيف وتركيز مشروع نموذجي للتأهيل المهني والادماج الاجتماعي للمعوقين بدولة السودان الشقيق.
علاوة على تخطيط المرحلة الأولى لمشروع نموذجي لتأهيل المعوقين وإدماجهم في الاقتصاد الوطني بدولة الطوغو من طرف مكتب العمل الدولي بجنيف. كما ساهمت تونس ممثلة أيضا في شخص الأستاذ محمد الراجحي في إعداد مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية لادماج المعوقين بدولتي بوركينافاسو والبنين. الى جانب تنفيذ مشروع للتنمية الاجتماعية والاقتصادية وإدماج المعوقين بدولة الزايير من طرف برنامج لمكتب العمل الدولي. وإعداد مشروع وطني للتأهيل المهني للمعوقين في الجمهورية الجزائرية وكذلك إعداد مشروع متكامل لتأهيل المكفوفين بالمملكة المغربية. وإعداد مشروع عربي متكامل لاعداد الاطارات العليا في التربية الخاصة وتأهيل المعوقين بالتعاون مع الجامعات الوطنية وصندوق الخليج العربي لمساعدة الأمم المتحدة بطلب من الجامعة العربية.
كما تم توظيف الخبرة التونسية في تنفيذ خطة وطنية لادماج الجامعيين المعوقين بدولة ايران في اطار برنامج منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة بباريس. علاوة على المشاركة في تنفيذ مشروع التربية والتأهيل للمكفوفين بالجمهورية العربية السورية في اطار برنامج للمندوبية السامية للأمم المتحدة للمعونة الفنية. ووضع خطة عمل وطنية للتربية والتأهيل الخاصة بالمكفوفين بالمملكة المغربية في اطار برنامج المندوبية السامية للأمم المتحدة للمعونة الفنية.