أالأربعاء 17 شعبان 1431معا نحو الامتياز[msg]معا نحو الامتياز[/msg]
مقالنا الصادر اليوم الاربعاء على جريدة الشروق التونسية الرابط غدا
رسالة "ديدرو" وإنجازات " هاوي "

الكيلاني بن منصور أستاذ باحث في الماجستير

تطلّعت حركات الإصلاح التي عمت المجتمع الأوروبي إلى إزالة أسباب البؤس الاجتماعي عن طريق اتخاذ إجراءات فعالة، وطالب بعض المصلحين مثل – مارتن لوثر- و – فولتير- في كتاباتهم برعاية شاملة للفقراء والقضاء على كل ألوان التسوّل ورفض مبدأ الكسل والبطالة كأسلوب من أساليب الحياة.
وفي ميدان المكفوفين ظهر الإسباني – جوان لويس 1540 – الذي طالب بأن تتاح الفرص للمكفوفين لممارسة العمل المفيد والمناسب. كما تضمنت وجهة نظره القول بأن عدم قدرة الكفيف الغير حقيقية على العمل لا تعود إلى الإعاقة البصرية، بل تعود إلى حب الركون والكسل والاستهتار أيضا.
وارتفعت أصوات بعض الشخصيات التي ظهرت بعد ذلك لتطالب بضرورة تعليم الأطفال المكفوفين، واستجاب بعض أولياء الأمور لهذه الدعوات فاقبلوا على تعليم أطفالهم المكفوفين على يد بعض المدرسين الخصوصيين، وأثارت النتائج الأولية لهذه المبادرات دهشة وحماسة عالم الرياضيات السويسري المشهور – يعقوب برنولي Jacob Bernoulli 1678 – والمدرس – كريستيان نيبسن Christiane ni peson 1771 – فراحا يفندان المزاعم التي تدعي أن تعليم المكفوفين غير ممكن أو غير مفيد.

ديدرو يحطّم أسطورة عجز الكفيف
ولفت الفيلسوف الفرنسي الشهير – دينيس ديدرو d Diderot أنظار المثقفين لأول مرة وبنجاح إلى النتائج المدهشة لتعليم المكفوفين عن طريق نشره لنتائج وتقارير تعليمه لطفل كفيف . ولم يكن – ديدرو- يرى أن الدعوة إلى تربية المكفوفين تكون عن طريق الكلمة فحسب، ولكنه أراد أن يبحث أيضا تأثير العمى على تفكير الإنسان وأخلاقه وسلوكه. لكن نتائج هذه الدراسة اتّصفت في جزء منها بالتحيز وفي جزء ثان بالتحريف وفي جزء ثالث بعدم الصحة، ورغم ذلك فسرعان ما عمّم - ديدرو- خبراته مع أحد المكفوفين، وأشار في تقريره الى المزايا الإيديولوجية والسياسية لتعليم المكفوفين، ونجح في جعل العالم مهتما بقدرة الكفيف على التحصيل فأطاح بذلك بأسطورة أو خرافة عجزهم وعدم الفائدة الكاملة منهم، كما أثار الاهتمام بأوضاع المكفوفين وخصائص تفكيرهم وحواسهم وطرق التعامل معهم. وهكذا مهّد – ديدرو- الطريق لإدماج المكفوفين في المجتمع ومن هنا تربيتهم وتعليمهم . لقد لفت نظر ديدرو بوجه خاص مسألة كان قد أثارها وليم مولينكس الإيرلندي 1692 وتكمن هذه المسألة في التساؤل هل يستطيع إنسان ولد أعمى كان قد تعلم التمييز بين مكعب وجسم كروي باللمس أن يفرّق في الحال إذا عاد إليه بصره، بين هذين الجسمين، أو هل يقتضي الأمر قبل هذا التفريق بعض الخبرة في العلاقات بين الأشكال ملموسة ونفس الأشكال مرئية. وفي 1728 قام وليام شولدن بتجربة ناجحة على صبي في الرابعة عشرة من عمره، كان ضريراً عند الولادة، وكان لزاما أن يتدرب الصبي قبل أن يتمكن من التمييز بين الأشكال بالبصر وحده. ولاحظ ديدرو أيضاً بعناية مثيرة حياة نيقولا سوندرسن الذي فقد بصره في عامه الأول، ولم يسترده قط، ولكنه ابتدع لنفسه كتابة رياضية خاصة بارزة، ومن ثم اكتسب قدرة فائقة إلى درجة أّنه عيّن أستاذاً للرياضيات في "كمبردج".
رسالة الفيلسوف دينيس ديدرو

ووقع نشر كتاب ديدرو "رسالة عن العميان لخدمة المبصرين" وكانت على شكل رسالة موجهة إلى مدام بويسبيه. وبدأت بوصف زيارة قام بها ديدرو وبعض الأصدقاء لمزارع كروم على ملك أعمى. وأذهلهم روح النظام عند الرجل المكفوف البصر إلى الحد الذي تعتمد عليه فيه زوجته بالليل في إعادة كل شيء إلى مكانه بعد فساد النظام أثناء النهار. وكانت حواسه الباقية أحد وأقوى من حواس الناس العاديين ". ولم يكن يدرك كيف يعرف الإنسان الوجه دون أن يلمسه. وانحصرت روح الجمال عنده في الأشياء الملموسة وفي رخامة الصوت والمنفعة ولا يجد عاراً في التعرّي لأنه يجد أن في الثياب حماية من الجو لا إخفاء للجسم عن أعين الآخرين. وأعتبر السرقة جريمة كبرى لأنه يقـف حيالها عاجـزاً لا حـول لـه ولا قـوة.
وجملة القول بالاستناد إلى موسوعة المعرفة الرقمية فإن رسالة العميان من أعظم وأروع ما كتب في عصر الاستنارة في فرنسا. إنه كتاب جميل ساحر من حيث السرد والقصص، كما أنه يتميز بدقة الملاحظة والتبصر البارع العطوف بوصفه بحثاً في علم النفس، كما يتميز بخيال مثير بوصفه بحثاً في الفلسفة، وهو مرهق عند انتهاء صفحاته الستين ولكنه يضم بعض ما يجافي الحشمة مما لا يكاد يليق برسالة مفروض إنها موجهة إلى سيدة، ولكن ربما كانت مدام دي بويسييه متعودة على خلط ديدرو بين بذاءة السوقة وسعة الإطلاع والمعرفة. وشمل البحث، لحسن الحظ، اقتراحاً مفصلاً لما عرف فيما بعد باسم طريقة لويس براي
بداية التأسيس للتعليم الرسمي للمكفوفين في العالم
. وفي 1784 وبعد 13 عاما من تأسيس أول معهد للصم المكفوفين، أسس الفرنسي– فالتنان هاوي Valentin Haüy – في باريس أول معهد لتربية المكفوفين وكان بذلك أول من أسس لتربية وتعليم المكفوفين. وفي سنة 1806 حاول تأسيس مدرسة بيترسبورغ لكن المحاولة لم يكتب لها النجاح.
ومع ببداية العصور الحديثة تغير المجتمع الأوروبي تغيرا كبيرا وجوهريا وأصبحت الطبقة الوسطى هي الطبقة السائدة فقامت بتغيير نظرة الاحتقار والازدراء الطبقي للعمل عن طريق الدعوة إلى تثمين وتقديس العمل والتحسيس والتوعية بأن العمل وحده يبقى السبيل الأمثل للإنسان للحصول على رزقه الحلال. وأصبح الكسل عن العمل يعد عارا ونكبة تصيب المجتمع. وهكذا تزايدت فرص العمل واتسعت فرص توزيع العمل، وتم توظيف القدرات العقلية والفكرية إلى جانب القدرات البدنية في إثراء وتنويع فرص العمل بما أتاح للمعوقين والمكفوفين منهم إمكانيات هائلة للحصول على حقوق العمل المناسب لقدراتهم معتمدين في ذلك على مجتمع متميز يؤمن بضرورة مشاركتهم في تقديس العمل والإقبال عليه.

وبتحطيم تقاليد العصور الوسطى على يد إيديولوجية ناشئة ظهرت أفكار جديدة اكتسحت أوروبا من أهم مبادئها ضمان الحرية للإنسان والأهمية الكبيرة والعظيمة للتربية في بلوغ وضمان هذه الحرية. وبناء على ذلك انطلقت الدعوات الملحّة إلى ضرورة إتاحة التربية للجميع . لقد كانت هذه التحولات الهامة هي الشوط الأول في التأسيس الصحيح لانطلاق مشروع تربية المكفوفين في العالم.
يتضح جليا من خلال ما تقدم أن تربية وتعليم المكفوفين وإدماجهم لم يكن وليد مجهود شخصي لبعض المفكرين ولا كان نتيجة إجراء فجئي ولا هو نتيجة قرار سياسي متعاطف مع هذه الشريحة، بل كان بكل المقاييس نتيجة تطور اقتصادي وثقافي وإيديولوجي متلاحق.
لقد كان لجهود – هاوي – الى جانب هذه الاعتبارات العامة دورا هاما في إتاحة الفرصة للمكفوفين في التربية بنجاحه في تأسيس أول معهد لتربية المكفوفين، لقد ارتبطت جهوده بجهود الجمعية الخيرية بباريس التي أرادت أن يكتمل نشاط الكنيسة ببذل المساعدة في هذا الميدان.

تربية المكفوفين حق يكفله المجتمع
لقد ساعدت هذه الاعتبارات بصفة نهائية على نجاح فكرة تربية المكفوفين التى تتلخص في أن الكفيف يمكن عن طريق تربيته وتعليمه أن يصبح مواطنا مفيدا . لقد كان – هاوي – ومن تبعه ينشرون هذه الفكرة على نطاق واسع رغم بعض الاعتراضات والخبرات المضادة. ولكن كان – هاوي – يعتقد بكل حماس وتيقن بأن دافع تربية المكفوفين لم يكن ولن يكون دافعا أدبيا أو رعاية انسانية تخبو وتضطرم في كل حين. بل هي في المقام الأول مطلب وحق للمكفوفين على المجتمع.

لقد حقق – هاوي – نجاحا كبيرا في إثبات أفكاره التربوية والدليل على ذلك هو الانتشار السريع لحركة تأسيس مدارس المكفوفين، فبعد معهد باريس تتابع تأسيس المدارس في – ليفربول 1790 ، لندن 1800 ، فيينا 1804 ، برلين 1806 ، كوبنهاجن 1811 ، - وفي سنة 1832 تتابع تأسيس مدارس المكفوفين في أمريكا الشمالية في- بوسطن- و-فيلادلفيا- ونيويورك-. وتكونت مدارس المكفوفين في كندا انطلاقا من سنة 1861 بالكيباك، وفي هالفاكس 1867، وتأسست مدرسة بأنتارو سنة 1872 .

وفي حدود سنة 1881 كانت الظروف في روسيا مهيّأة لانطلاق المسيرة التربوية للمكفوفين، ولم تكد الحرب الأولى تنتهي حتى نفذ الروس خطة منظمة لفتح مدارس للمكفوفين بها. وتواصل فتح المراكز والمدارس الخاصة بالمكفوفين بعد الحرب الأولى في آسيا وفي القارة السمراء وفي مناطق شاسعة من العالم، لقد اتسعت فكرة إدماج المكفوفين لتتجاوز الإدماج عن طريق التربية والتعليم إلى الإدماج عن طريق التأهيل وإعادة التأهيل وتوسيع خارطة المهن المناسبة لهم. لقد كان هذا الخيار خيارا وطنيا مقدسا في المجتمع خاصة بعد الحرب العالمية الأولى والتي خلفت أعدادا هامة من ذوي الإعاقة والذين وجد المجتمع نفسه ملزما بإعادة تأهيلهم ليمارسوا مهنا مناسبة لوضعهم الصحي الجديد، وكان هذا التوجه مدعوما بمشاعر التضامن بين أفراد المجتمع وبين أولائك الذين فقدوا أعضاءهم وهم يدافعون عن الوطن وعن المجتمع.