<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]--> بناء الذات

منصور باوادي

قيل لابن عباس - رضي الله عنه -: بمَ بلغتَ العلم؟ قال: "بلسان سَؤُول، وقلب عَقول".

ولَمَّا تُوفِّي النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل من الأنصار: هلمَّ نسأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم اليوم كثير، فقال: وا عجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام - مَن ترى؟! فترَك ذلك، فأقبل ابن عباس على العلم، حتى اجتمعَ حوله الناس فيما بعد، فرآه ذلك الرجل، فقال: هذا الفتي أعقلُ منِّي!

هذان الموقفان من ابن عباس يصلحان لأن يكونا منهجًا يلتزمه مَن أراد بناء ذاته بناءً إيجابيًّا؛ لأنهما يحملان أبرزَ عاملَيْن مهمَّين في تحقيق الهدف، وهما:تحديد هدف الحياة، وضرورة الوصول إليه، مَهْما كانت المعوقات، وبهذا أصبح ابن عباس إمامَ الدنيا.

تحديد الهدف أهمُّ خُطوة في بناء شخصيَّة الفرد، ولكي تستطيع تحديد هدفك لا بد أن تُخطِّط جيدًا، وأن تكون على معرفة تامَّة بنمطِ شخصيَّتك ونوعيَّتها، وأبرز عوامل القوَّة والضَّعف فيها، ثم لا بد من دراسة واقعك دراسة صحيحة؛ لأنه الظرف الذي من خلاله ستنطلق لتحقيق هدفك، ومعرفة واقعك لا يقلُّ أهميَّة عن معرفة هدفك، فليس من الحِكمة أن تعيش في بيئة متأخِّرة علميًّا وتِقنيًّا واقتصاديًّا، ثم تَطمح أن تكون رائدَ فضاءٍ، أو خبيرًا نوويًّا، فيلزمك هنا أن تخرجَ من بيئتك إلى بيئة أكثر تقدُّمًا علميًّا وتقنيًّا، وتغيير البيئة ليس شاقًّا دائمًا أو مستعصيًا، إذا نحن استطعنا تغييرَ تصوُّراتنا الداخلية التي تدفعنا لتبنِّي موقفٍ ما أو إجراءٍ ما، وتَحَلَّيْنا بالشجاعة والإقدام، فإذا كان بيتك مثلاً لا يساعد على بناء ذاتك وتحقيق هدفك، ورُبَّما يكون هو العائقَ الأكبر، فعليك أن تبحث عن محطَّات أخرى تخفِّف عنك من حِدَّة السلبية التي تُخَيِّم على البيت، مثل أصدقاء فعَّالين، أو محاضن تربوية أو فكرية أو تنمويَّة فعَّالة، تستطيع من خلالها أن ترفع من معنويَّاتك، وبعدها لن يكون لسلبيَّة البيت أثرٌ على بناء ذاتك، أو سيكون أثرًا محدودًا لن يُسبِّب إعاقة لمشروع البناء.

إنَّ من أبرز معوقات بناء الذات النظر دائمًا إلى الأزمات والصعوبات التي نُعاني منها في حياتنا اليوميَّة، وكلُّ يومٍ يمضي من حياتنا نضع لَبِنة في جدار هذه الأزمات؛ ليزداد طولاً وارتفاعًا أكثر وأكثر، ويشكِّل بعد ذلك تحدِّيًا صعبًا أمامنا، بينما تَخطِّي هذا الجدار يتمُّ بخُطوة واحدة؛ لأن عُلوه مهْما ارتفعَ، فهو عُلوٌّ وهْمِي، ليس له في الواقع صورة حسِّيَّة، وإنما هو عُلو نفسي ذاتي داخلي شلَّ حركتنا، ألَم يقولوا: إنَّ بداية الألف مِيلاً خُطوة؟ هذه الخُطوة هي التي تحطِّم جدار الوهم هذا، ولستُ أتعمَّد التغافُل عمَّا تختزنه بعض المجتمعات من أزمات وتحدِّيات مختلفة وأتجاهلها، ولكن مهما كانتْ حياتنا العملية تمرُّ بأزمات وتحدِّيات، فإنَّ تَخطِّيها ممكنٌ، بل واجبٌ إذا توفَّرت الرغبة الحقيقة في اجتيازها، بمعنى أن تكون صادقًا في هدفك؛ فمَن صدَق الله يصدقه، ثم إنَّ كلَّ مجتمع من مجتمعات البشرية يمرُّ بأزمات وتحدِّيات، ولكن الفارق أنَّ بعض الشعوب تملك إرادة وعزيمة وخيارات عدَّة، وأخرى تملك خَوَرًا وعجزًا، وأُفقًا مُغلقًا قبل أن تبدأ مباشرة البناء، وهذا قد يعود للتربية السائدة التي مرَّ بها هذا المجتمع، ومع هذا لا ينبغي أن نجعلَها عائقًا أبدًا، والبعض منَّا يريد عمليَّة بناءٍ مريحة، وبأقلِّ تَكلفة وجُهد، وخالية من المخاطر المحتملة، فإذا لَم توجد، علَّق فشلَه على فقره مرَّة، وأخرى على مجتمعه، وثالثة على بيته، ورُبَّما رابعة على العدوِّ القابع خلف البحار.

ونحن كمسلمين عندما نتبنَّى أيَّ مشروع تنموي بنَّاء، ننطلق دائمًا من منطلق ديننا الحنيف، وفيه من المرغبات والمحفِّزات والخيارات التي تَنهض بالنَّفس وترتفع بها إلى ذُرى العُلا والمجد، ما لا توجد عند غيرنا، وقد كنَّا رُوَّاد النهضة في كافَّة ميادينها، ولكن يلزمنا القراءة المنهجية الصحيحة والواعية، بعيدًا عن التأوُّلات الخاطئة للنصوص، وأن نُدرك رُوح الثقة وإحياء العزيمة، وتقوية النفس التي تبعثها هذه النصوص الشرعية في نفوسنا، وأُعطيك مثالاً لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فَسِيلة، فإنِ استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها))؛ رواه أحمد.

أليس هذا يعطي المرءَ شحنة وعزيمة أن يبدأ بمباشرة الفعل، مهما كان المجتمع من حوْله يعيش لحظة اضطراب وتأزُّمٍ؟! ولكن العاجز المتمني سيقول: وما الفائدة مِن غرْسها إذا كانت أحداث القيامة ستقوض سوقها بعد لحظات من غرسها؟! نعم سيكون كلامك صحيحًا إذا نحن قد سيْطَر علينا اليأس وتمكَّن منَّا، ولكن غيرنا يفهم من هذا أنَّ المبادرة لبناء أيِّ ذات ينبغي أن تنطلق؛ سواء كانت الأمور مهيَّأة، أو متأزِّمة؛ لأنَّ الله - تعالى - يقول: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 105]، فأنت مكلَّف بأن تبدأَ ولستَ مكلَّفًا بالنتيجة، وهنا تكمن مشكلة أخرى من معوقات بناء الذات، وهيالنظر للنتيجة قبل البداية.

ليس صعبًا أن تبني ذاتك، وليس معجزة أيضًا، إنما هي عملية سهلة عند أُولي العزْم من الرجال، وصعبة وشاقة عند أُولي الكسل والأماني، وكل ما عليك هو:
• أن تستعين بالله - عز وجل - وأن يعلمَ فيك الصدق والعزيمة؛ "الصِّلة بالله".
• أن تخطِّط جيدًا لعملية البناء؛ "التخطيط".
• أن تبدأ بأفضل ما عندك من قُدرات وإمكانات، وتوظِّفها توظيفًا صحيحًا؛ "معرفة شخصيَّتك".
• أن تجدَ بيئة محفِّزة ومقوِّية لعزيمتك؛ "الخيارات المتاحة".
• أن تتحلَّى بالصبر والإصرار؛ "العزيمة".

وحتى أُيَسِّر لك القضية؛ تخيَّل أنَّك تبني بيتًا صغيرًا لأُسرتك، فإنك ستبدأ بوضْع خطة البناء أولاً قبل الشروع، ثم تبدأ في عملية بناء البيت وَفْق مراحل الخطة، وبناء ذاتك لا يختلف كثيرًا عن بناء بيتك، فاسْلك نفْسَ الخطوات، وستصل - بإذن الله تعالى.

وإلى محطة أخرى عنوانها وأترككم في حِفظ الله.

http://www.alukah.net/Social/0/31598/http://www.alukah.net/Social/0/31598/