<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o:p></o:p>
فن البداية وصحتها<o:p></o:p>
منصور باوادي<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
أي مشروع تنْمَوي معنوي كان أم حسِّيًّا، فإن للبداية فيه أثرًا كبيرًا في إنجاحه وإنجازه، أو فشله وإخفاقه؛ لأن البداية بمثابة الوقود السائل الذي يعطي المركبة قوَّة الانطلاق، ومن هنا كانت العناية بالبداية لا تقل أهميَّة عن المشروع ذاته؛ لِمَا تعكسه لاحقًا على ذات المشروع، فينبغي أن يسبق البداية تهيئة وإعداد، وخاصة في الجوانب المعنوية والنفسية، حتى لا تسقط عند أوَّل منعطف يواجِهك في مشروعك، ولو تمعنَّا في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة، لوجدنا أنه قد تَمَّ إعداده وتهيئته قبل مشروع النبوَّة بوقت طويل؛ لتكون انطلاقته تتسم بالثبات والثقة في مشروعه، ومع هذه التهيئة العظيمة المسبقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أننا نجد أنه خَشِي على نفسه في بداية الأمر لولا أن ثبَّته الله بخديجة - رضي الله عنها - وابن عمِّها ورقة بن نوفل، ومن هنا تبرز أهميَّة الاستشارة في البداية والرفقة التي تمثِّل البيئة الفعَّالة التي تثبِّتك عند الانطلاق، وتخطي أهوال البداية المقلقة، وفي القرآن نجد الإشارَة الواضحة إلى هذه التهيئة المسبقة؛ يقول - تعالى - في سورة الضحى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6 - 8].<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
فكانت مرحلة الإعداد تقتضي عزلاً شعوريًّا له عن ذلك المجتمع الذي أصبَح يكتظ بالمعوقات والسلبيَّات المتوارثة التي تتنافى مع رُوح المشروع الجديد، فكان كثيرًا ما ينعزل في غار حراء الليالي ذوات العدد؛ يتعبَّد ويتفكَّر، ومن هنا جاء صقل هذه النفس وتهيئتها للمشروع العظيم الكبير "النبوة".<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
ومن فقه البداية الصحيحة أن تكون المحفزات والدوافع تتناسب مع مرحلة البداية، وأن يتمَّ التركيز دائمًا على المحفزات المعنوية التي تُعطي النفس الدافع القوي للانطلاقة، والاستمرار مع مراعاة أولويَّات الأمور وكُبرى القضايا التي تكتب للمشروع الاستمرار، فبالنظر إلى آيات القرآن الكريم التي كانت تخاطب البداية الدعوية لتلك الفئة المؤمنة في مكة، نجد قوة التركيز على الجوانب النفسيَّة وتقوية الصِّلة بالله واليوم الآخر، فكان من ثمار هذا الربط العظيم بالله واليوم الآخر ذلك الصبر الذي لا تقوى أن تقفَ أمامه الجبال العوالي الرواسي، وهذا ما أشارت إليه عائشة - رضي الله عنها - في حديثها عن أوَّل ما نزَل من القرآن الكريم آيات فيها ذكر الجنة والنار.<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
لا يُمكن بحال من الأحوال أن تكونَ البداية تتسِم بالراحة والدعة، بل لا بد من الجَلَد والجُهد والمشقة في البداية؛ لأن التأسيس شاقٌّ ويتطلَّب رعاية ومتابعة مستمرة؛ حتى يستوي على سوقه كالطفل تمامًا، فهو بحاجة لمتابعة ورعاية مستمرة، وقد لاقَى الرعيل الأوَّل من الصحابة - رضوان عليهم - أشدَّ أنواع الابتلاء في بداية دعوتهم؛ حتى شعروا أنهم لا طاقة لهم بهذا الحِمل العظيم، فجاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يلتمسون منه دعوة ونُصرة يطلبها من الله؛ ليخفِّف عنهم، ولكنهم لَم يجدوا إلا الحثَّ على الصبر والترغيب فيه، فلمَّا صَبَروا وكابَدوا في بداية دعوتهم، واستقامَت ونَمَت وتفرَّعت، عزَّ عليهم التفريطُ فيها لاحقًا، فقَاتَلُوا ودافَعوا عنها، ولَم يُسلموها أو يتركوها، فالبداية الشاقة تُورِث الشخص الحرصَ العظيم على مشروعه وعدم التفريط فيه، وصدق مَن قال: "مَن كانت له بداية مُحرقة، كانت له نهاية مُشْرقة".<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
عشوائية البداية: تعني وفاة المشروع لاحقًا أو ولادته خداجًا غير كامل؛ مما يستهلك بعد ذلك أوقاتًا وأموالاً وجهودًا جبَّارة؛ لترميمه وتصفية الشوائب، وتكميل النواقص، بينما كان من الممكن للشخص أن يتجنَّب كلَّ هذه العوارض إذا أتقَن فنَّ البداية، وغياب الهدف أو ضبابيَّته تولد هذه البداية العشوائية، فلا يمكن أن تكون البداية صحيحة سليمة إلاَّ في ظلِّ رؤية وهدف واضحٍ وضوح الشمس، وفي ظلِّ برمجة وجدولة مُراعيًا فيها الإمكانات الممكنة والأكثر واقعية، والتي تتسِم بالسهولة والمرونة، ولا تنسَ دائمًا الاستعانة بالله - تعالى - ودُعائه بالتوفيق لك، ومن كان كذلك، فلا يمكن أن يتعثَّر في بدايته.<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
النهاية المشرقة لا تأتي إلا على صحن البداية الشاقة المحرقة، والبداية المحرقة لا تكون إلا بعد تهيئة وإعداد وترْك للرَّاحة والدعة، وتعزيزها بالمحفزات الفعَّالة، وتضمينها بالبرمجة والجدولة المحكمة التي تضمن سلامتها وصحَّتها، فالمهم أن نبدأ، ولا بد للبداية أن تبلغ النهاية.<o:p></o:p>
وإلى محطة أخرى، وأترككم في حفظ الله.<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
http://www.alukah.net/Social/0/31732/<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
<o:p></o:p>