قراءة في فعاليات المؤتمر الوطني الاستثنائي للمكفوفين
نتائج الثورة وأفاق الديمقراطية
الكيلاني بن منصور
على امتداد ثلاثة أيام بلياليها خاض ما يناهز 311 نائبا عن المكفوفين غمار مؤتمر وطني استثنائي نتج عن ثورة تولدت عن ثورة اخرى، حراك 19 جانفي وثورة 14 منه. والى جانب هذا العدد من النواب حضر مترشحون بصفة حرة، وجمع من الضيوف والملاحظين واكبوا كل كبيرة وصغيرة خلال المؤتمر. وقد تنفست الهيئة الوطنية الانتقالية برئاسة السيدة كلثوم بن زاكور الصعداء حين تيقنت بأن المؤتمر قد استوفى شروط انعقاده وهو ما يعني فشل من كان يريد تعطيله والحيلولة دون انجازه لحسابات شخصية ضيقة. وقد تمكن المؤتمرون بعد جهد جهيد من انتخاب مكتب مؤتمر برئاسة الأستاذ احمد بن نجيمة بعد شد وجذب. ومن فوره باشر مكتب المؤتمر تسيير الفعاليات وفق التمشي القانوني المعروف والخاص بسير المؤتمر الوطني الذي يمثل السلطة العليا في المنظمة. انقسم المؤتمرون الى لجان قطاعية تدارست مشاغل المكفوفين ودرست بكل صبر عللا تؤرق المنظمة وتحول دون سيرها العادي. وقد استهل المؤتمر بكلمة من الدكتور خالد النعيمي رئيس الاتحاد العربي للمكفوفين شكر فيها حسن الوفادة وأشاد بثورة الشعب التونسي التي طالت كل فئات المجتمع ومنها فئة المكفوفين التي تحضي بدعم شعبي سخي يستند إلى هوية الشعب التونسي وتضامنه وتعاطفه مع كل أطيافه وشرائحه. ثم قام السيد المنصف حمزة رئيس لجنة إعداد المؤتمر بتلاوة التقرير الأدبي للهيئة الانتقالية والذي لخص أهم دواعي ثورة المكفوفين ومجمل الأنشطة التي أنجزتها الهيئة الانتقالية، وقد شدد التقرير على ضرورة تكاثف الجهود من أجل تغيير الوجه السياسي الذي انحدرت إليه المنظمة وضرورة المصالحة بين المنظمة والمجتمع التونسي الذي واكب فصول التسييس الذي رافق عمل المكتب التنفيذي المتخلى عنه. كما دعا التقرير الأدبي المكفوفين إلى التبرؤ من كل الجوائز التي منحها الرئيس المخلوع والنظام البائد للرئيس المتخلى عنه للاتحاد الوطني للمكفوفين، واعتبر أن تلك الجوائز كانت ستارا لحجب السجل الأسود لحقوق الإنسان في تونس. وقد قوبل التقرير لدى تلاوته على المؤتمرين بتصفيق حار ترجم رغبة كل مؤتمر في أن تتنزل تلك المقترحات منزلة التطبيق الفعلي. ثم تلا المتصرف القضائي تقريرا حول التصرف المالي للفترة التي تلت التخلي عن المكتب التنفيذي السابق. وقد دعا المؤتمرون الى احالة مجمل التصرفات المالية للمكتب المتخلى عنه إلى القضاء والإسراع بانجاز التدقيق المالي الضروري لتحديد المسؤوليات.
صراع الصقور وفوز الشباب
احتكم المؤتمرون خلال اليوم الثالث لانعقاد المؤتمر الى صندوق الاقتراع بإشراف مكتب المؤتمر وعدول تنفيذ واكبوا كل كبيرة وصغيرة متصلة بالانتخاب. وقد انظم إلى هؤلاء ملاحظون كانوا شهودا على أول عملية انتخاب شفافة وديمقراطية في تاريخ الاتحاد الوطني للمكفوفين. وقد توافد على صندوق الاقتراع كل ممثلي الولايات لينتخبوا أول هيئة موسعة تأسيسية للاتحاد. وقد قام رئيس المؤتمر خلال اليوم الأخير بالإعلان عن النتائج التي افرزها صندوق الاقتراع حيث وقع انتخاب ثلاثين مترشحا منهم عشرون من المكفوفين وعشرة من المبصرين. كانت النتائج مذهلة لعديد المراقبين حيث استطاع شباب الثورة كسب ثقة المؤتمرين والفوز في الانتخابات، في حين لم يجد الصقور من الكهول وبعض الشيوخ حضهم في الفوز بعضوية الهيئة الموسعة بعد أن راج حتمية فوزهم بالمسؤوليات التنفيذية في الهيئة الموسعة، فقد بذل الصقور جهودا مضنية في تمرير قوائمهم عبر الاتصال بالنواب وملاحقتهم عبر كل الوسائل قصد استجداء أصواتهم والفوز بثقتهم. غير أن المؤتمرين كانوا في حجم الموعد التاريخي واختاروا الانتصار للشباب من المكفوفين فكانت الهيئة الموسعة على غير ما توقع المتوقعون وعلى غير ما تمنى المتمنون. ما يحسب لهذا المؤتمر أنه تمخض عن انتخاب هيئة شابة غالبيتها من المناطق الداخلية لتونس أي من منابع ثورة 14 جانفي، والى جانب كونهم من الشباب فإن أعضاء الهيئة الموسعة المنتخبون بكل شفافية يمثلون الجيل الذي لم تلوثه السياسة من المكفوفين فلم يعرف عنهم أي انتماء وأي تزلف لأي احد، والميزة التي لا تضاهيها ميزة أن القيادة الجديدة للاتحاد تتكون من شباب متحمس يحضى بمؤهلات علمية مرموقة وبتجربة ميدانية في مجال المكفوفين فمنهم أخصائيو العلاج الطبيعي والموظفون في الإدارات التونسية على المقسم الهاتفي إلى جانب رجال التربية ومنهم أصحاب الشهائد العليا في علم الاجتماع. إلى جانب الأعضاء المبصرون الذين يعتبرون عناصر مثرية للهيئة الموسعة بحكم تواجد أصحاب الاختصاصات المالية والإدارية والبيداغوجية.
وزارة الشؤون الاجتماعية الغائب الأبرز
الهيئة الانتقالية التي أنجزت المؤتمر قامت بدعوة الوزارة ذات الصلة بالقطاع عبر مراسلات متعددة ومتكررة، غير أن وزارة الشؤون الاجتماعية لم تلبي الدعوة ولم توفد حتى ممثل عنها. وبغض النظر عن موقف الوزارة من الاتحاد فإن الكفيف التونسي مواطن تونسي له الحق في أن يحض بمتابعة السلطة العمومية التي تشرف على المؤسسات التي تعمل في مجال إعاقته ومن حقه على الوزارة والوزير أن يتابع كل ما يتصل بنشاط منظمته ممثله الشرعي والوحيد. وغياب وزارة الشؤون الاجتماعية في كل الأحوال لن يلغي مواطنة الكفيف ولن ينقص من قيمته كتونسي ولكنها رسالة قوية يطرحها القدر أمام الكفيف كي يتأكد من أنه لا أحد يمكن أن يحس بمشاغله أكثر منه، وعليه فإن النضال من اجل إثبات المواطنة ليس التمسح على أعتاب المسؤولين الذين أداروا له ظهر المجن بل إن المستقبل يكمن في التعويل على النفس والاستعانة بالقدرة الجماعية للمكفوفين على فرض استحقاقاتهم بكل مواطنة وجارة ولن تعيش فئة في تونس تحت رحمة وزارة أو وزير بفضل ثورة الكرامة ثورة 14 جانفي. ومن المؤسف جدا أن تقع دعوة وزارة إلى حضور مؤتمر تاريخي يهم شريحة من المجتمع لا يستهان بها، وتعمد تلك الوزارة إلى عدم الإنصات أو حتى الإشعار بالغياب.
وعلى الرغم من غياب الوزارة غير المبرر فقد اختار المكفوفون خير شبابهم لقيادة المنظمة وسوف ينجحون في هذه القيادة بفضل التفاف كل المكفوفين حول القيادة الجديدة للمنظمة. لأنها قيادة نتجت عن اختيار حقيقي من قبل المكفوفين أنفسهم ولأنها قيادة تمخضت عن مؤتمر لم تلعب فيه الوصاية السابقة دورا مشبوها.