رسالة المسجد الأَقصى إلى المسلمين
د. عدنان علي رضا النحوي

أنا المسجدُ الأَقصى ! وهذي المرابعُ
بقايا ! وذكرى ! والأَسى والفواجعُ
لقد كنتُ بين المؤمنين وديعةً
على الدّهرِ ما هبّوا إِليَّ وسارعوا
يضمّون أَحناءً عليًّ وأعْيُناً
وتحرُسني مِنْهم سيوفٌ قواطعُ
زُحوفٌ مع الأَيامِ موصولةُ العُرا
فترتجُّ من عزْم الزُّحوف المرابع
إِذا أعوزَ القومَ السلاحُ تواثبُوا
تجودُ قُلوبٌ بالوفا وأضالعُ
وعَهْدٌ مع الله العليِّ يشدُّهُ
يقينٌ بأنَّ المرءَ للّه راجِعُ
وأنّ جنانَ الخُلد بالحقّ تُجْتَلَى
وبالدَّم تُجْلَى ساحةٌ ووقائِعُ
مواكبُ نورٍ يملأ الدهرَ زحْفُها
فيُشرقُ منها غَيْهَبٌ ومطالِعُ
وتَنشُرُ في الدنيا رسالة ربِّها
فَتُصغِيْ لها في الخافِقَين المسامعُ
وتنشُرُ أنداءً وتَسْكُبُ وابلاً
فتخضّرُّ ساحاتٌ ذَوَتْ وبَلاقعُ
فما بالُ قومي اليومَ غابُوا وَغُيِّبوا
وما عادَ في الآفاقِ منهم طلائعُ
وما بال قومي بدَّلوا ساحةَ الوغي
فغابَتْ ميادينٌ لهم ومصانِعُ
وما بَالُهم تاَهوا عن الدرب ويَحَهمْ
فجالتْ بهم أهواؤهمْ والمطامعُ
فغابَ نداءٌ ما أجلَّ عَطاءَه
تُردّدُهُ في كل أفق مجامعُ
وكانتْ ميادينُ الشّهادة ساحَهم
فصارَ لَهُمْ ملء الديّارِ مَراتعُ
وفي كلِّ يومٍ مَهْرَجَانٌ يَضُمُّني
وتندبني بين القصيد المدامِعُ
وكانتْ دماءُ المؤمنين غنيَّةً
تُصَبُّ وأرواحُ الشهودِ تدافِعُ
فأصبَحْتُ ، ياويحي ، أَحاديث مَجْلسٍ
وأدمعَ بكَّاءٍ حَوتْه المضاجِعُ
وكان يُدوّي في الميادين جولةٌ
فصارَ يُدوّي بالشعاراتِ ذائعُ
وَكمْ كْنتُ أَرجوأن تكون دُموعُهمْ
دِماءً تُرَوّى مِن غِناها البَلاقِعُ
أَيذْبَحُني أهُلي و يَبكُونَ بَعْدَها
عليَّ ؟‍! لقد سَاءتْ بذاك الصنائعُ
فَكَمْ تاجرٍ أَلقى بِلَحْميَ سِلْعَة
وقَدْ عَزَّ في الأسواقِ منها البَضائِعُ
فهذا يُنادِي بالتجارة جَهْرَةً
وذاك يُواريه شِعارٌ مخادِعُ
فغاصُوا جميعاً بِالوُحُولِ وَغُيَّبوا
بتيهٍ ودارَتْ بَيْنَ ذاكَ المصَارعُ
فما أَنا جُدْرانٌ تَدورُ وسَاحَةٌ
ولكنّني أُفْقٌ غَنيٌّ وواسِعُ
يَمُدُّ ليَ الآفاقَ وحْيُ رسالةٍ
وحَبْلٌ متينٌ للمنازِلِ جامِعُ
رياضٌ يَرِفُّ الطيبُ منها وتغتني
مِنَ الطّيب سَاحَاتٌ بها ومَرَابعُ
فِمنْ مُهْجَةِ الإِسْلام مَكّةَ خفقتي
ومِنْ طيبَةٍ وحيٌ إلى الحقِّ دافعُ
ومن كلِّ دارٍ منبَرٌ ومآذِنٌ
بيوتٌ تدَوِّي بالنّداء جَوامِعُ
قُلوبٌ لها خفقُ الحياةِ وأضْلُعٌ
تجيشُ وآمالٌ غَلَتْ وَوَدائعُ
تظلُّ عُروقي بالحياةِ غنِيَّةً
إِذا اتّصلتْ بين الدّيار الشرائِعُ
وأَيُّ حَياةٍ دونَ ذلك تُرْتجَى
إِذا انتزَعْتني مِنْ ضُلوعي المطَامِعُ
ونادَى مُنادٍ حَسْبُنَا كِسرةٌ هِنا
ونادَى سِوَاهُ نَرْتَجي ونُصانِعُ
وطافتْ على الدُّنيا الهزائمُ كلُّها
شعارٌ يُدَوّي أو ذليلٌ وضارعُ
تَشُدُّ عليَّ اليوْمَ قَبْضَةُ مُجْرِمِ
ويَجْتَالُني مَكرٌ لهُ وأصابعُ
وفي كلّ يوم، وَيْحَ نَفْسي ، مَسَارحٌ
تُدَارُ وأَهْواءٌ عَليْها تَنَازَعُ
تُدَارُ خُيوطُ المكْر خَلْفَ ستارها
وتُعْلنُ آمالٌ عَليْها لَوامِعُ
ويَطْوِي عَلى هُوْنٍ أسايَ و ذِلتي
شِعَارٌ يُدَوّي أو أمانٍ روائعُ
تُمزَّقُ أَوْصَالي وتُنْزَعُ مُهْجتي
ويُطلَبُ نَصْرٌ والنُّفوس خَواضِعُ
يقولون " تحريرٌ " ويُجْرون صَفْقَةً
عَليْها شُهودٌ ضِامنون وبائعُ
يقولون " تقرير المصير" و إنّه
لَتدمير آمالٍ : فَمعْطٍ ومانِعُ
يفاوضُ فيه الشاةَ ذئبٌ وثعلبٌ
وقد مَهَّدَتْ عَبْر السنينَ الوقائعُ
يقولون : أهلُ الدار أدرى بحالها
وأين هُمُ ؟! إني إلى الله ضارعُ
وأهليْ ! وما أهلي سوى أَمَّة لها
من الله عزمٌ في الميادين جامعُ
وصفٌّ يشدُّ المؤمنين جميعهَهُم
كأنَّهُمُ البُنْيانُ : عالٍ ومانعُ
إذا لمْ تَقُمْ في الأرض أمَّةُ أَحمدٍ
فكلُّ الذي يَجْري عَلى السّاحِ ضائعُ
حنانيكَ يا أَقْصَى ! حنانَيكَ كُلَّما
خَطَرْتَ وَشدَّتني إليكَ النّوازعُ
فيافٍ ترامتْ بَيْنَنَا و مَسَالِكٌ
تُسَدّ و أشواقٌ إليك تُصارعُ
تَمُرُّ مَعَ الذّكرى لتوقظ أُمّةً
وحوْلكَ غافٍ لو علمتَ وقابعُ
أُطأطئ رأسي ما خَطَرتَ وأَنثني
وطرفيَ من هُوْنِ المذلَّة خاشِعُ
وأُصْغي ! ونجْوى البرتقال تهُّزني
وَوَشْوشَةُ الزيتونِ منكَ قَوارعُ
يعيدُ لنا العُتْبى حنينٌ مرجّعٌ
يردّدُهُ فيك الحمامُ السواجِعُ
فيا أيها الأقْصى أنينُك موجعٌ
تهيجُ به بينَ الضلوع الفواجعُ
حَنينكَ أصداءُ العصورِ ولَهفةٌ
فصبراً وما يُدريكَ ما الله صانِعُ
رجعتُ ! فناداني ! وعدتُ لكي أَرى
على جانِبَيْه دَمْعةً تتدافَعُ
وقال : إبائي يحجزُ الدمعَ كلَّهُ
ولكنَّ حُزْني اليومَ طاغٍ ودافعُ
جَرَتْ دَمْعةٌ في الأرض مِنهُ فَأَوْقَدتْ
عزائمَ أجيال وزحفاً يُتابع
تَخُوضُ مَيادينَ الجِهادِ وتَعْتَلي
ذُرَاها تُدَوِّي بالجِهادِ المجامعُ
فَلَسْطِينُ حقُّ المسْلمين جَميِعهم
وهذا كتابُ اللّهِ بالحقِّ سَاطِعُ

http://www.alukah.net/Literature_Language/0/39017/