السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بينما كنت أتصفح تغريداتي على تويتر، استوقفتني هذه التغريدة أنقلها لكم للفائدة
حكايتي مع الكتب . . . أربع قصص طريفة للدكتور/ عبدالرحمن بن معاضة الشهري . . @amshehri . .

هذه أربع قصص ماتعة كتبها الدكتور الفاضل/ عبدالرحمن بن معاضة الشهري في (ملتقى أهل التفسير) قبل سنتين ونصف، جمعتها لكم هنا، لتعلموا أن أهل القراءة ومحبي الكتب يذوقون لذة لم يذقها أكثرنا، ويعيشون في عالم آخر ربما لم يخطر لنا على بال، والله المستعان . .
( القصة الأولى )
سافرتُ إلى اليمن عام 1417هـ مع رُفقةٍ من الأصدقاء الذين يحبون السفر، ولم يكن لهم في الكتب حاجة، فلما وصلنا صنعاء قلتُ لهم : أرغب في زيارة الجامع الكبير وخزانة المخطوطات فيه للحصول على نسخة من مخطوطة أريدها في أصول الفقه، فلما ذهبنا للجامع وتمكنا من دخول دار المخطوطات بعد عناء واستطعتُ الحصول على المطلوب خرجنا لزيارة مكتبة خالد بن الوليد وبعض المكتبات القريبة من جامعة صنعاء، فاشتريتُ عدداً من الكتب النَّادرة والثمينة، وزرتُ مع الزملاء حينها مدير جامعة صنعاء في مكتبه وكان الدكتور عبدالعزيز المقالح، وأهدانا بعض كتبه ودواوينه ولم أكن أعرفه من قبل. وكنَّا قد مررنا قبلها على باب اليمن في صنعاء فابتعنا خناجراً يَمنيَّةً ثَمينةً وبعض الأزياء اليمنية الجميلة، وارتديناها أثناء تلك الزيارة، فلم يشك الدكتور عبدالعزيز المقالح أننا من أهل اليمن، وإنما تساءل هل نحنُ من أهل صعدة أم من الجوف !
ثم ذهبنا بعدها فزرنا الشاعر عبدالله البردوني في منزله، وكانت زيارة أدبية مُمتعةً، وكنتُ قد اشتريتُ ديوانه من قبل أن أزوره مع بعض كتبه النثرية، وعجبتُ حينها من حسن حديثه وسعة اطلاعه. ثُمَّ خرجنا من عنده للفندق فمررنا على ميدان التحرير في صنعاء، فوجدت به أكشاكاً تبيع الكتب كأكشاك الأزبكية بالقاهرة، فلمحت ديوان (لافتات) لأحمد مطر، فتوقفت عنده وقرأتُ فيه، وكنت أتشوق لاقتنائه مع علمي بخطورة ما يَحتويه، فلما اشتريته قرأته في الفُندق، وقال الزملاء: هذا الديوان خطير فلا تأخذه معك للسعودية فقد يؤدي بك للسجن.
فلمَّا ركبنا في السيارة عائدين للسعودية حرصت على حفظه على أن أتخلى عنه قبل نقطة الحدود، فلما وصلناها ترددتُ في التخلي عنه بعد أن حفظته في الطريق بشكل جيد وراجعته، فلمَّا وصلنا لنقطة التفتيش أخفيته في جيوب معطفٍ كنتُ أرتديه، وكنتُ حينها نَحيفاً جداً لا يبلغ وزني الستين كيلو، وقلتُ في نفسي: لا أظنهم سيفتشوننا بشكلٍ دقيقٍ. فترجلنا من السيارة للتفتيش وقلبي يخفق، فأخذوا يفتشون الكتب التي في السيارة فلمْ يجدوا فيها ما يلفت النظر إلا أنهم استغربوا شرائي نسختين من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد إحداهما المحققة التي حققها أبو الفضل إبراهيم في عشرة مجلدات، والأخرى غير المحققة في أربعة مجلدات. فأذنوا بدخول المحققة ومنعوا غير المحققة بحجة أن غير المُحقَّقة مَمنوعة، فلما أردتُ مجادلتَهم تذكرتُ ما في معطفي، فسكتُّ، ومشت الأمور على ما يرام، وبدأوا يعيدون الكتب للسيارة تمهيداً للإذن لنا بالدخول، وبينما أنا أنظر حولي ومعي الزملاء وقوف وبعضهم في السيارة فإذا بكلبٍ ضخمٍ من الكلابِ التي يتخذونَها للتفتيشِ قد أقبلَ نَحوي مسرعاً وهو ينبح، وقد انفلت من رباطه، فكاد قلبي يطير من الخوف وتيقنت بأنَّ الكلب قد اكتشف ديوان أحمد مطر وأنَّ أمري قد كُشِف، فلم أجد أمامي إلا سيارة محملة بالقهوة وأصحابها ينتظرون التفتيش بعدنا فتسلقتها وصعدتُ فوق أكياس القهوة والزملاء حولي يضحكون وموظفو الجمارك يضحكون، وإذا بهذا الكلب قد رجع أدراجه ولم يتبعني أكثر من ذلك !
فنزلتُ وأنا أضحك ضحك الخائف، وتصنعتُ الانبساط من هذا الموقف وأنا في موقف لا أحسد عليه، وركبنا السيارة ونحن نضحك من هذا الموقف وسط تعليقات الزملاء وسخريتهم.
ولذلك كلما رأيتُ ديوان (لافتات) تذكرتُ ذلك الكلبَ وتلك الحادثة فأضحكُ وأنا وحدي، وهذه المرة الأولى التي أروي فيها هذه القصة الطريفة التي مضى عليها عدة سنوات وكدتُ أنساها، وقد أصبح ديوان لافتات يُباعُ الآنَ في معارض الكتابِ عندنا، وانتشر على الانترنت، وما يومُ حليمةَ بسرّ.


( القصة الثانية )
كنتُ معيداً في كلية الشريعة وأصول الدين بأبها في قسم القرآن وعلومه منذ عام 1414هـ تقريباً، وذات يومٍ من أيام عام 1415هـ احتجتُ إلى معلومةٍ مهمةٍ في كتابٍ أعرف أن لدى أحد الزملاء نسخة منه، ولم يكن متوفراً في المكتبات العامة ولم أجده في السعودية من قبل، فلقيته في الكلية صباح ذلك اليوم فسلمتُ عليه، وأخبرته بحاجتي، فتردد في إعارتي الكتاب لسببٍ يراه هو وجيهاً - وهو من أعز أحبابي ولم أخبره بذلك حتى اليوم - فوقع ذلك في نفسي، وتألمتُ ولم أظهر له ذلك، وانصرفتُ من الكليَّة عند الساعة العاشرة متوجهاً إلى المنزل، وكنتُ حينها لم أتزوج بعدُ - سقى الله تلك الأيام - فلما كنتُ في بعض الطريق ، قلتُ في نفسي: لأشترين هذا الكتاب بأيِّ ثَمنٍ. وترددتُ: هل أسافر بسيارتي القديمة المتهالكة هذه - وكانت سيارةً من نوعِ كورولا - أم أسافر بالجو والحجز يحتاج إلى ذهاب للمطار، فقررت فور وصولي للمنزل أن أسافر لشراء الكتاب، فأخذت جواز السفر فقط ولم آخذ معي أي شيء آخر. وركبت سيارتي متوجهاً إلى حيث لا أدري. فلما خرجت من المنزل ترددتُ بين أن أسافر لليمن وهو ليس بعيداً غير أنني لم أكن على ثقة أن أجد الكتاب هناك، أم أسافر للأردن أو سوريا وأنا على ثقة أنني سأجد الكتاب. ثم استقر رأيي أن أذهب لمخطة الباصات، وأنظر في الأمر. فلما أوقفت سيارتي في المواقف وسألتُ وجدت باصاً متجهاً إلى جدة، ومن هناك أتدبر أمر سفري إما للأردن أو سوريا . وفعلاً ركبت الباص قبل الظهر ولم أُصلِّ صلاة الظهر إلا جمعاً مع العصر قرب مدينة جدة، ومن هناك ركبت باصاً آخر متجهاً إلى عمَّان الأردن بعد انتظار طويل في المحطة أرهقنا.
فلما وصلتُ الأردن في اليوم التالي قبيل العشاء تقريباً ولم أكن زرتها قبل ذلك، سألتُ عن المكتبات فدُللتُ إلى منطقةٍ اسمها (العبدلي) في عمَّان فيها عدد من المكتبات الجيدة، وفعلاً دخلتُ أول مكتبة منها فسألتُ عن الكتاب فلم يكن عنده لكنه قال: سأحضره لك من عند جاري فاجلس. وفعلاً ذهب بكل أدب فأحضره لي، فاشتريت الكتاب واشتريت معه بعض الكتب الأخرى، وأخذت سيارة أجرة إلى مطار علياء الدولي بعمَّان، فلما دخلت المطار سألتُ عن الرحلات المتجهة للسعودية، فوجدتُ رحلةً مباشرةً لم يبق على إقلاعها إلا أقل من ساعة متجهة إلى جدة، فحجزت وركبت فيها ورجعت لجدة، ولمَّا وصلت جدة ركبت طائرة أخرى لأبها بعد عدة ساعات، ووصلتُ أَبْها فأخذت سيارة من المطار إلى موقف الباصات حيث تركت سيارتي هناك.
فلما وصلت لم أجدها! فأسقط في يدي، لكنَّني لم أفعل شيئاً ورجعت للبيت، ولم يكن قد ظهر الهاتف المحمول لأتصل بأحد، ولم يكن عندي في المنزل هاتف ثابت لصعوبة الحصول على الهاتف الثابت حينها. وكنتُ متعباً جداً فأردت أن أستريح وبعدها أبحث عن السيارة. وكان فرحي بالحصول على الكتاب، والانتصار لنفسي على ذلك الموقف الذي وقع لي مع صاحبي في الكلية قد أنساني همَّ ذهاب السيارة مع أنه لم يكن معي غيرها.
فلما نِمتُ حينها، وبقيتُ يومين تقريباً منعزلاً مع كتبي في البيت، إذا بصاحبٍ لي من أعز أصدقائي يطرق الباب، وإذا بسيارتي معه! فاستغربت وبادرته بالسؤال فقال: أليس عندي نسخة من مفتاح سيارتك؟ قلتُ: بلى. قال : لما رأيتُ سيارتك في موقف الباصات - وكان الموقف على طريق الطائف وهو طريق يسافر منه أيضاً من يسافر إلى النماص وهي مدينتي - تيقنتُ أنَّك سافرتَ إلى النماص وتركتَ سيارتك هنا، وكنتُ مضطراً للسفر، فأخذتُ سيارتكَ ثقةً بأَنَّك ستفهم أنني أنا الذي أخذها! - وكان كثيراً ما يستخدم سيارتي ولكن بعلمي - فضحكتُ وأخبرته بخبري، فاستغرب كثيراً، وتأسف لأخذه السيارة بدون علمي.
ولا أزال حتى اليوم أتذكر ذلك الموقف فأضحك، وأسترجع ذلك الموقف وما لقيته في سفري بالباص من المشقة، ولم أهنأ بطعام ولا منام في ذلك السفر، والسفر بالباص متعبٌ، ورائحة الدخان جعلت رأسي يكاد ينفجر، ولا طاقة لي بِمَنع أكثر الركاب الذين يدخنون، وكُلُّ همِّي كان الحصول على الكتاب، ويبقى للكتاب الذي عانيت في الحصول عليه قيمته ومكانته الخاصة.
والطريف أنَّ صاحبي في الكلية بعد شهور أحضر لي الجزء الذي طلبته من الكتاب مصوراً في ورقات، وقال: خذ هذا طلبك الذي طلبتني قبل مدة. فشكرته وأخذت الأوراق، وقلتُ في نفسي: آه لو كنتَ تعلمُ أنَّني لم يقر لي قرار بعدك حتى اشتريتُ الكتابَ يا صاحبَ الفضيلة !


( القصة الثالثة )
وقع لي حادث مع لسان العرب عام 1411هـ في أبها، حيث أردت شراء نسخة منه ولم يكن معي إلا ثمنه بالضبط (250 ريالاً)، وأبى صاحبُ المكتبة أن يساعدني بتخفيض ريال واحد وبقي عن مكافأة الجامعة (850 ريالاً) ثلاثة أسابيع، وظروفنا صعبة جداً في ذلك الوقت، وكنت أسكن في شقة مع زميلٍ لي لا يُكلِّفُ نفسَه عناء المساهمة معي بشيء في أعباء الشقة إلا بالمشاركة في رفع السفرة إذا انتهينا من الطعام! وهو يعمل في القطاع العسكري ولا يؤمن بالكتب ويستغرب من كثرة شرائي للكتب، فأخبره بأن هذه الكتب كلها مقررة علينا في الكلية فيسكت، ويقول: أعوذ بالله من هذه الدراسة! وإذا أردت التخلص من الذهاب معه أعتذر بأنه يجب علي أن أنتهي من قراءة كل هذه المجلدات في أقرب فرصة من أجل الاختبارات ، فيخرج ويتركني .
فأخذتُ أترددُ على المكتبة أقلِّب الكتابَ وأتأمَّلُ فيه، ثم أُخرجُ المبلغَ فأحسبهُ وأطيل في حسابه وأكثره من فئة الريال لأنه تجميعات! ثُمَّ أتذكر أنه لن يبقى معي شيء بقية الشهر، فأعيد المبلغ في جيبي وأعود للبيت، فإذا ذهبت للبيت تذكرت الكتاب ونازعتني نفسي والنسخة وحيدة فأعود للمكتبة، وكانت المسافة ليست بعيدة (حوالي 5 كم) في حي شَمسان بأَبْها، والمكتبة اسمها مكتبة الهدى وأظنها أغلقت من زمن، أو تحولت إلى قرطاسية فقط .
وفي المرة الرابعة تقريباً أو الخامسة توجس صاحب المكتبة مني ولم يشك أنني لص أتدبر أمر سرقة شيء ما وربما كانت رثاثة هيئتي توحي بشي من ذلك!، وتلك المرة لقيت أحد المشايخ في المكتبة وأنا أعرفه من قبل ويعرفني فهو من أهل النماص، فوجدته يضحك مع صاحب المكتبة فانتهزت فرصة معرفتي للشيخ، وطلبت منه أن يتوسط لي عند صاحب المكتبة بأن يخفض لي من ثمن الكتاب أي شيء، فوافق وشفع لي فأعطاني الكتاب بمبلغ 230 ريالاً وبقي لي عشرون ريالاً، فلم أتردد لحظة، وأخذته على كتفي في كرتون وجريت إلى البيت وكأني أحمل ريشة، وبقيت أسبوعين آكلُ التميس فقط أفطر وأتعشى ولا أتغدى، وأبقى في مكتبة الكلية إلى وقت متأخر حتى لا يطالبني صاحبي بالغداء واعتذر له بأن لدينا هذه الأيام بحوث ونضطر للبقاء حتى المساء. وهو فيما عرفت فيما بعد كان يخرج للغداء إذا تأخرت في مطعم قريب من البيت.
وذات يوم لا أنساه لم يبق معي إلا ما يقارب الخمسة ريالات أو أقل، وأنا جالس في البيت ومعي صاحبي نشرب آخر حبة بقيت من شاي ليبتون أو بنتليز نسيتُ! إذا بجرس الشقة، فخفتُ منه، وقمت متثاقلاً للباب وإذا به شقيقي الأكبر عبدالعزيز حفظه الله ورعاه، يطرق الباب ويرفض الدخول، ويقول: أحببت المرور للسلام عليك فقط. ولم يكن لدينا هاتف ثابت أو محمول، وإنما آخذ الأخبار كل أسبوعين أو ثلاثة بواسطة هواتف الشوارع.
وإذا به يَمُرُّ على أبها مستعجلاً في مهمة وكان حينها ضابطاً برتبة عقيد أو مقدم لستُ أذكر، وقد مر على مجلبة الغنم وهي قريبة من الشقة التي كنت أسكن فيها، وقال: أحببت السلام عليك والاطمئنان، وقد اشتريت خروفاً وذبحته في المسلخ هنا أحب أن أعطيك أنت وصاحبك منه إذا لم يكن لديكم مانع، ومعي بعض أبنائي الصغار في السيارة تحت يحبون أن يسلموا عليك، فنزلت معه وسلمت عليهم، وأعطاني قطعة من ذلك الخروف كدت لفرحي وجوعي آكلها في الشارع، ثم أدخل أخي عبدالعزيز يده في جيبه وأعطاني مبلغ 1200 ريالاً لا أنساها ما حييتُ، ولا أنسى ذلك الموقف وفرحتي بها، وكم أخذت بعدها من الأموال ولكن ليست كتلك الألف ومائتين. فاختصرتُ الكلام معه اختصاراً وودعته، وذهبت مسرعاً لسوق مركزي قريب فاشتريت قصديراً وكرتوووون شاي ليبتون جديد، وعدت للشقة وصاحبي عاكف على برادِ الشاي يناجيه وكأنه يناجي القمر!
فقلت : قم يا عدو نفسه أوقد الفرن، فقد جاءنا الفََرَج، وكانت ليلةً من أجمل الليالي .


( القصة الرابعة )
خرجتُ يوم الأربعاء 12/6/1412هـ من كلية الشريعة وأصول الدين في أبها عند الساعة الحادية عشرة صباحاً متجهاً إلى النماص التي تبعد عن أبها ما يقارب مائة وأربعين كيلاً شمالاً باتجاه مكة المكرمة، وكنتُ أملك سيارة كورولا، وكانت تلك عادة لا أتركها أسافر كل أربعاء للنماص وأعود مساء الجمعة براً بوالدي رحمه الله ووالدتي حفظها الله حيث كانا يقيمان في النماص بمفردهما ولم يبق لهما إلا أنا بعد تفرق أشقائي وشقيقاتي في البلاد، فأذهب لأقضي لهما ما يحتاجان إليه ثم أعود، وهكذا.
وبعد أن قطعتُ من الطريق مسافةً طويلة وقاربت الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة ربما، فتحت المذياع على إذاعة الرياض، ونافذة السيارة مفتوحة وهواء جبال السروات هواء عليل في أوقات الصباح لا يُمَلُّ، وإذ بصوت المذيع المميز عدنان صادق الدبسي - الله يذكره بالخير - فهو من أروع وأجود من سمعته في إذاعة الرياض وإذاعة القرآن الكريم حتى اليوم، في نبرة صوته أبعاد لا أجدها في صوت غيره، مع ثقافةٍ عاليةٍ، وحسن قراءةٍ، وكانت له برامج قديمة في غاية الروعة منها (أعلام المفسرين من الصحابة) و (أعلام المفسرين من التابعين)، وأنا أحاول جاهداً الحصول على نسخ من تلك البرامج لرفعها للملتقى بإذن الله .
وإذا به - في برنامج لا أذكره - يتكلم عن كتابٍ من كتب الأدب، ويذكر بعض أخبار مؤلفه، ومميزات الكتاب، ولم أعرف الكتابَ بعدُ، فجنَّبْتُ على الطريق في منطقةٍ اسمها (صَبَحْ) من بِلادِ قبيلة بللحمر بل هي حاضرة بللحمر، وحاولتُ أن أُصفِّي صوت المذياع أكثر لأن الإذاعة لا تصلنا في الجنوب إلا وقد ذهبت الرياح بأكثرها ولم يبق إلا بقايا الإذاعة، وإذا به يقول: وكان لابن الأثير غير كتابه هذا (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) مؤلفات أخرى ... وأخذ يسردها . فكتبت اسم المؤلف، واسم الكتاب، وكنتُ حينها مشغوفاً بالأدب أقرأ في كتبه، وأحفظ من الشعر الجيد الذي أجده ما أستطيع. ففكرت للحظة بالرجوع لأبها لشراء الكتاب، وكنت قد ابتعدتُ عن أبها مسافة قد تقارب المائة كيلو أو أقل قليلاً، والظهر اقترب وستغلق المكتبات، ثم تذكرتُ ما قاله عدنان الدبسي عن الكتاب، وقراءته لبعض المختارات منه، فانعطفت بالسيارة ورجعت إلى أبها مرة أخرى، وقلت في نفسي: أرجع لأبها فأتغدى هناك، ثُمَّ أبحثُ عن الكتاب بعدَ العصرِ وأشتريه وأسافر للنماص مرة أخرى، ولن يفوتني شيء ذو بال، وسأقرأ الكتاب هذين اليومين حتى الجمعة.
وفعلاً رجعتُ أبها، وتغديت في أحد المطاعم، وانتظرتُ حتى أذن العصر ثم صليت قريباً من مكتبة تسمى مكتبة الجنوب، وكانت من أجود المكتبات في أبها ذلك الوقت، ولما فتحت المكتبة بعد العصر كنت أول داخل لها مع البائع وكان أخاً هندياً محباً للكتب يعرفني وأعرفه، فسألته عن الكتاب فأخبرني بوجوده وأحضر لي نسخة جديدة منه بتحقيق محمد محي الدين عبدالحميد، وهي هذه النسخة بعينها مكتوبٌ عليها تاريخ الشراء ومكانه وكنتُ أيام عَوَزي الشديد أكتبُ ثَمنَ الكتاب أيضاً حتى إذا فترت عن القراءة تذكرتُ الثمنَ فأنشط للقراءة ...
وجمعني ذلك الأسبوع في النماص مجلسٌ مع بعض الأصدقاء فذكرت لهم الكتاب، وقرأنا بعض ما فيه، ولم أعد يوم الجمعة لأبها إلا وقد قرأت الكتاب واستمتعتُ به أيما استمتاع، وكانت تعليقات محمد محي الدين عبدالحميد رائعة جداً، كلما ذكر ابن الأثير بيتاً من الشعر لأبي تمام أو البحتري أو المتنبي أو غيرهم يذكر في الحاشية مطلع القصيدة، ويعلق بتعليقات علمية مختصرة فيها شرح الغريب ونحو ذلك، وكانت طبعة المكتبة العصرية في بيروت عام 1411هـ .
ولم تزدني الأيام إلا محبة لهذا الكتاب، ومعرفة لقدره بين كتب الأدب، وأوصي به كل من يسألني، وقد قرأت بعد ذلك كتباً وبحوثاً عن ابن الأثير وكتابه هذا وبقية كتبه، واشتريت بعد ذلك طبعة بدوي طبانة والحوفي للكتاب، ولم تعجبني تلك الطبعة، لسوء الطباعة، مع أنه ملحق بها كتاب ابن أبي الحديد (الفلك الدائر على المثل السائر) وفيه نقد لابن الأثير في كتابه، ولم أدع بعدها كتاباً حول كتاب ابن الأثير إلا قرأته، مثل (نصرة الثائر) للصفدي، وأبحاث ندوة ابن الأثير التي عقدت في الموصل وغيرها ، والكتاب عمدة من عمد كتب الأدب أنصح به كل من يحب الأدب والقراءة والرغبة في تحسين أسلوبه في النثر والشعر، ونثر المنظوم، ونظم المنثور، وهناك كتاب بهذا العنوان لابن الأثير أيضاً، وهو أديب رائع متمكن، مع بعض الغرور فيه رحمه الله وغفر له .
وكان كل ذلك بسبب ذلك البرنامج الإذاعي الذي سَمعتهُ مِن عدنان صادق الدبسي، وأرجو أن يكون ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة، وهو لا يعرفني وأنا لم أره قط وإِنَّما أحببته من خلال صوته، وأسأل الله العظيم أن يغفر له ولكل من تعلمنا منه علماً، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم، والحمد لله على فضله وإحسانه وتوفيقه.