بسم الله الرحمن الرحيم
نظرة تاريخية للتطور التربوي لتنشئة الصم المكفوفين
في فرنسا بدأ تعليم المكفوفين عام 1755 و تلاها بدء تعليم الصم في 1784،و كان كا منهما مستقلاً بذاته في مدارس منفصلة.
و في أمريكا عام 1829 تم إنشاء مدرسة بيركينز Perkins school – أول مدرسة
للمكفوفين - و ذلك بمنزل أول مدير لها صامويل جريدلي هو Samuel Gridley Howe،
و لقد سمِع هو Howe عن جوليا بريس، و هي فتاة ولِدت عام 1807، ثم أصيبت بحمى التيفود و هي في الرابعة و النصف من عمرها مما أفقدها سمعها و بصرها، و انضمت جوليا مع مجموعة من الأطفال إلى البرنامج التأهيلي للصم بالمدرسة إلا أنهم لم يحرزوا أي نتاج لغوي ملحوظ.
و في عام 1837 ،و بعد مرور ثلاثين عاماً، التحقت الطفلة لورا بريدجمان و هي طفلة صماء كفيفة بمدرسة بيركينز،. فابتكر صامويل جريدلي هو Samuel Gridley Howe طريقة لتعليم هذه الطفلة. تعتمد هذه الطريقة على عرض الشئ المراد تعليمه للطفلة و معه في نفس الوقت الاسم الدال عليه مكتوباً بحروف تقليدية بارزة – ليست طريقة برايل - . و هذه الطريقة أظهرت بعض النتائج مع الطفلة لورا حيث استطاعت معرفة أسماء الأشياء. بعدها بدأ هو Howe الكتابة على يد الطفلة ، و ذلك بتشكيل الحروف الواحد تلو الآخر على راحة يدها ، كما يحدث غالباً مع من أصيبوا الإعاقة السمعية البصرية بعد تعلمهم القراءة و الكتابة.
أما الثورة الحقيقية، فقد حدثت كما يعرف الكثير على يد آن سوليفان Ann Sullivan و معلمة هيلين كيلر Helen Keller .

هيلين كيلر
ولدت هيلين كيلر عام 1880 و أصيبت بالصمم و كف البصر التام بعد بلوغها عامها الأول بسبعة أشهر نتيجة إصابتها بالتهاب السحايا. قصة هيلين و معلمتها آن تعد من أشهر القصص التي عرفها التاريخ، حيث استطاعت المعلمة أن تسلك سبيلها إلى عقل تلميذتها و ساعدتها على التعبير عن نفسها بالكلمات.
و بدأت القصة بموافقة آن على الذهاب لمزرعة آل كيلر لرعاية طفلتهم الصماء الكفيفة صعبة الانقياد و التي تبلغ من العمر السابعة، و بعد مرور عدة أيام من المحاولات غير المُجدية.
طلبت آن الانتقال بالطفلة للإقامة في بيت منفصل في المزرعة حيث لا يوجد فيه سوى آن
و الطفلة، و كانت خطة آن ألا تعرف هيلين أين يقيما فتطيع آن طاعة تامة و استمرت إقامتهما في هذا البيت لمدة أربعة عشر يوما. و طوال هذه الفترة حرصت آن على تهجي أسماء الأشياء على يد هيلين بطريقة الهجاء الإصبعي و ذلك في نفس الوقت الذي تشعر فيه الطفلة بالشيء .
و في يوم، حدثت المفاجأة، كانت هيلين تشعر بجريان الماء على يدها و كالمعتاد كانت آن تتهجئ الكلمة W-A-T-E-R على يد الطفلة، فربطت هيلين بين الشيء و الكلمة الدالة عليه.
و وصفت آن سوليفان ما حدث في خطاب لصديقة لها قائلة :
" تركت الطفلة الاناء و وقفت هناك متجمدة بينما ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهها. لقد تهجت كلمة ماء و راحت تكررها مرات ومرات، ثم لمست الأرض و سألت عن اسمها و التفتت إلي و سألتني عن اسمي و أجبتها " المُدرسة ". و في غضون ساعات قليلة كانت قد تعلمت ما يزيد على ثلاثين كلمة جديدة. "
و يجب ملاحظة أن ما حدث مع هيلين كيلر من اكتسابها السريع للغة هو أملا خارق للعادة بالطبع.
و اذا كان يوم الخامس من ابريل لعام 1887 يوم خاص في حياة هيلين، فانه ليس بأقل أهمية في حياة المعلمة.
و تُعد آن سوليفان هي المؤسسة للمدرسة الحديثة في تربية الصم المكفوفين، و ذلك لاستعانتها بطرق تعليمية لا تزال تستخدم حتى وقتنا الحالي.و لكن كل هذا النجاح له مقابل، فكلٌ من الاثنين ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالآخر، فهما يعيشان سوياً، فإن آن كانت المعلمة و المترجمة و الصديقة و النصف الآخر لهيلين.
التطور في أوروبا
خلال القرن الثامن عشر، وجدت مدارس للصم المكفوفين في عدة دول أوروبية. بعضها نجح و بعضها على النقيض. و لكن يبقى، أن هناك شخصيات تبذل قصارى جهدها أملاً في تحقيق أهداف سامية من أجل الآخرين مثل صامويل هو Samuel Gridley Howe
و آن سوليفان Ann Sullivan .
جيل الحصبة الألمانية Rubella Generation
في منتصف القرن التاسع عشر انتشر وباء الحصبة الألمانية الذي بدأ في أستراليا في الخمسينات ومنها إلى غرب أوروبا منتهيا في شمال أمريكا في الستينات مُخلفاً وراءه الآلاف من الصم المكفوفين المختلفين عن الشكل المعهود للصمم و كف البصر، فهؤلاء الأطفال لم يناسبهم البرامج التربوية المصممة من قبل حيث كان الهدف التعليمي الأول هو كيفية تعليم الأصم الكفيف نسق لغوي رمزي، و كان الأطفال الصم المكفوفين يتعلمون فعلاً الاشارات لكنهم نادراً ما يستخدمونها بشكل تواصلي.
الا أنهم (جيل الحصبة الألمانية) لم يستجيبوا الاستجابة التقليدية للأطفال الصم المكفوفين مما أظهر الحاجة إلى سبل جديدة في تعليم الصم المكفوفين.
و من أشهر المختصين الذين بذلوا الكثير من الجهد في هذه الحقبة الزمنية العالم الهولندي الجنسية جان فان دايك Van Dijk.
و في السبعينيات التفت الأنظار حول نظريات التعلق التي قدمها بولبي Bowlby عام 1969 و أصبحت منطقة بحث هامة مشتركة بين جميع الباحثين بالمجال. و منذ ذلك الحين، أخذ البحث في مجال النمو المبكر للتواصل بين الأطفال الرضع و أمهاتهم على عاتق الباحثين في المجال. للعثور على الحلقة المفقودة في العلاقة بين الشريك و الأصم الكفيف.
لنصل الآن للنظر للنمو التواصلي و اللغوي كعملية مستمرة تتطور في اطار تفاعلى مع البيئة الفيزيقية و الانسانية منذ الميلاد فصاعداً.
و نتيجة للاتجاه الجديد الذي بزغ من هذه المعرفة، فان استرتيجيات التدخل التواصلي لابد و أن تبدأ في التركيز على تأصيل التفاعل الاجتماعي و التواصل ما قبل اللغوي و اللذان يعتبرا الركائز الأولى لنمو أشكال تواصلية أكثر تقدماً مثل اللغة.
هذه الاستراتيجية تعتمد على التدخل الموجه من قبل الطفل. يعد الطفل منذ ميلاده شريك كفء كما أنه مساهم فعال في نموه التواصلي. ان دور الشريك هو تسهيل و تدعيم نمو التواصل المبنى على مبادرات الطفل.
و تعد آنا نافستاد و Anne Nafstad الأخصائية النفسية النرويجية و المعلمة الدانمركية للصم و الصم المكفوفين إنجر رودبرو Inger Rǿdbroe من أبرز المتخصصين المعاصرين في مجال الإعاقة السمعية البصرية خلال العشرون عاماً الماضية، و اللتان أسستا ما يُعرف الآن بالمدخل الاسكندنافي في تعليم الصم المكفوفين.
و يتفق المختصين في المجال أن الهدف الرئيسي من التدخل هو توفير جودة الحياة للأصم الكفيف.

أحمد الجدعان
http://kfuforums.kfu.edu.sa/showthread.php?p=96373